تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
يفيده التضعيف أو الهمزة ، فإن جاء في لازم فهو قليل . قالوا : مات المال ، وموّت المال ، إذا كثر ذلك فيه ، وأيضا ، فالتضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل ، أما أن يجعل اللازم متعديا فلا ، ونزلنا قبل التضعيف كان لازما ولم يكن متعديا ، فيكون التعدي المستفاد من التضعيف دليلا على أنه للنقل لا للتكثير ، إذ لو كان للتكثير ، وقد دخل على اللازم ، بقي لازما نحو : مات المال ، وموّت المال . وأيضا فلو كان التضعيف في نزل مفيدا للتنجيم لاحتاج قوله تعالى :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
« 1 » إلى تأويل ، لأن التضعيف دال على التنجيم والتكثير ، وقوله :
جُمْلَةً واحِدَةً
ينافي ذلك . وأيضا فالقراءات بالوجهين في كثير مما جاء يدل على أنهما بمعنى واحد . وأيضا مجيء نزل حيث لا يمكن فيه التكثير والتنجيم إلا على تأويل بعيد جدا يدل على ذلك . قال تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ
« 2 » ، وقال تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
« 3 » ، ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول الآية ، ولا أنه علق تكرير نزول ملك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض ، وإنما المعنى ، واللّه أعلم ، مطلق الإنزال . وفي نزلنا التفات لأنه انتقال من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم ، لأن قبله
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
و
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
. فلو جرى الكلام على هذا السياق لكان مما نزل على عبده ، لكن في هذا الالتفات من التفخيم للمنزل والمنزل عليه ما لا يؤديه ضمير غائب ، لا سيما كونه أتى بنا المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم الأمر ونظيره ،
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا
« 4 » ، وتعدي نزل بعلى إشارة إلى استعلاء المنزل على المنزل عليه وتمكنه منه ، وأنه قد صار كالملابس له ، بخلاف إلى فإنها تدل على الانتهاء والوصول . ولهذا المعنى الذي أفادته على تكرار ذلك في القرآن في آيات ، قال تعالى :
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
« 5 »
طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
« 6 » ،
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ
« 7 » . وفي إضافة العبد إليه تعالى تنبيه على عظيم قدره ، واختصاصه بخالص
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : 25 / 32 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 37 . ( 3 ) سورة الإسراء : 17 / 95 . ( 4 ) سورة الأنعام : 6 / 99 . ( 5 ) سورة آل عمران : 3 / 3 . ( 6 ) سورة طه : 20 / 20 . ( 7 ) سورة آل عمران : 3 / 7 .