[ سورة القصص ( 28 ) : آية 25 ]
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 )
يأباه ، وأما المروءة فعادات الناس في ذلك متباينة وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة
ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ
أي ظلّ سمرة « 1 » ، وفيه دليل جواز الاستراحة في الدنيا بخلاف ما يقوله بعض المتقشّفة ، ولما طال البلاء عليه أنس بالشكوى ، إذ لا نقص في الشكوى إلى المولى
فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما
لأي شيء
أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
قليل أو كثير غثّ أو سمين
فَقِيرٌ
محتاج ، وعدّي فقير باللام لأنه ضمّن معنى سائل وطالب ، قيل كان لم يذق طعاما سبعة أيام وقد لصق ظهره بطنه « 2 » ، ويحتمل أن يريد أني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدارين « 3 » وهو النجاة من الظالمين ، لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة ، قال ذلك رضا بالبدل السنيّ وفرحا به وشكرا له ، وقال ابن عطاء : نظر من العبودية إلى الربوبية ، وتكلّم بلسان الافتقار لما ورد على سرّه من الأنوار .
25 -
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
على استحياء في موضع الحال أي مستحية ، وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها ، لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها ولم تعلم أيجيبها أم لا ، فأتته مستحية قد استترت بكمّ درعها ، وما في سقيت مصدرية أي جزاء سقيك ، روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفّل « 4 » قال لهما : ما أعجلكما ؟ قالتا :
وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا ، فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه لي ، فتبعها موسى عليه السّلام فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته ، قال لها : امشي خلفي وانعتي لي الطريق
فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ
أي قصته وأحواله مع فرعون ، والقصص مصدر كالعلل سمّي به المقصوص
قالَ
له
لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
إذ لا سلطان لفرعون بأرضنا ، وفيه دليل جواز العمل بخبر الواحد ولو عبدا أو أنثى ، والمشي مع الأجنبية مع ذلك الاحتياط والتورع ، وأما أخذ الأجر على البرّ والمعروف
هامش
( 1 ) سمرة : ضرب من شجر الطلح ( النهاية في غريب الحديث 2 / 399 ) .
( 2 ) في ( ظ ) و ( ز ) لصق بظهره بطنه .
( 3 ) في ( ز ) الدين .
( 4 ) حفل : أي مملوءة ضروعها باللبن .