تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1619

مساهمون:

ص١٦١٩
وحى اللّه ، واستسلما لقضاء اللّه ، هذا في قرّة عينه ، وهذا في نفسه أعطى ذبحا فداء ، وقيل له : هذا فداؤك ، فامتثل فيه ما رأيت فإنه حقيقة ما خاطبناك فيه ، وهو كناية لا اسم ، وجعله مصدّقا للرؤيا بمبادرته الامتثال ، فإنه لا بد من اعتقاد الوجوب والتهيّؤ للعمل . فلما اعتقدا الوجوب ، وتهيّآ للعمل ، هذا بصورة الذابح ، وهذا بصورة المذبوح ، أعطى محلا للذبح فداء عن ذلك المرئي في المنام ، يقع موضعه برسم الكناية وإظهار الحق الموعود فيه . فإن قيل : قد قال له الولد :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
فأين الأمر ؟ قلنا : هما كلمتان إحداهما من الوالد إبراهيم ، والثانية من الولد إسماعيل . فأما كلمة إبراهيم فهي قوله أذبحك ، وهو خبر لا أمر ، وأما كلمة إسماعيل : افعل ما تؤمر ، وهو أمر ، وقول إبراهيم :
إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
وإن كانت [ صيغته ] « 1 » صيغة الخبر فإن معناها « 2 » الأمر ضرورة ، لأنه لو كان عبارة عن خبر واقع لما كان له تأويل ينتظر ، وإنما هو بصيغة الخبر ، ومعناه الأمر ضرورة . فقال إسماعيل لأبيه إبراهيم :
افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
، فعبّر عن نفسه بالانقياد إلى معنى خبر أبيه ، وهو الأمر ، ولذلك قال اللّه تعالى :
قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
حين تيسّرا للعمل ، وأقبلا على الفعل ، فكان صدقها ذبحا مكانها ، وهو الفداء ، وكان ذلك أمرا في المعنى ضرورة ، فكان ما كان من إبراهيم امتثالا ، ومن إسماعيل انقيادا ، ووضحت المعاني بحقيقتها ، وجرت الألفاظ على نصابها لصوابها ، ولم يحتج إلى تأويل فاسد يقلب الجلد نحاسا أو غيره . المسألة الخامسة - لما قررنا حظّ التفسير والأصول في هذه الآية تركبت عليها مسألة من الأحكام « 3 » ، وهو إذا نذر الرجل ذبح ولده . فقال الشافعي : هي معصية يستغفر اللّه منها - وقال أبو حنيفة : هي كلمة يلزمه بها ذبح شاة . وقال أبو عبد اللّه إمام دار الهجرة : يلزمه ذبح شاة في تفصيل بيناه في كتب الفروع . والذي ذكرناه هو الذي ننظره « 4 » الآن . ودليلنا أنّ اللّه تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعا ، فألزم اللّه إبراهيم ذبح الولد « 5 » ، وأخرجه عنه بذبح الشاة ، وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يجب أن يلزمه ذبح شاة ، لأن
هامش
( 1 ) من م ( 2 ) في م : معناه . ( 3 ) هنا في هامش م : مسألة « إذا نذر ذبح ولده » . ( 4 ) في م : ننصره . ( 5 ) في م : ولده .