تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1615

مساهمون:

ص١٦١٥
وقد أجاب عن ذلك علماؤنا بأنّ ما يجرى على اللسان من موزون الكلام لا يعدّ شعرا ، وإنما يعدّ منه ما يجرى على وزن الشعر ومع القصد إليه . فقد يقول قائل : حدثنا شيخ لنا ، وينادى يا صاحب الكساء ، ولا يعدّ هذا شعرا . وقد كان رجل ينادى في مرضه وهو من عرض العامة العقلاء : اذهبوا بي إلى الطبيب ، وقولوا قد اكتوى ، وبهذا وسواه يتبيّن صحة الآية معنى ، وبطلان ما موّهوا به قطعا . المسألة الخامسة - روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر قال : لا تكثر منه ، فمن عيبه أن اللّه يقول :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
. قال : ولقد بلغني أنّ عمر ابن الخطاب كتب إلى أبى موسى الأشعري أن اجمع الشعراء قبلك واسألهم عن الشعر ، وهل بقي معهم معرفة به ، وأحضر لبيدا ذلك . قال : فجمعهم وسألهم فقالوا : إنا لنعرفه ونقوله . وسأل لبيدا فقال : ما قلت شعرا منذ سمعت اللّه يقول :
ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ .
قال ابن العربي : هذه الآية ليست من عيب الشعر ، كما لم يكن قوله تعالى « 1 » :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ
من عيب الخط « 2 » . فلما لم تكن الأميّة من عيب الخط كذلك لا يكون نفى النظم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم من عيب الشعر ، وقد بينّا حال الشّعر في سورة الظلة ، والحمد للّه . الآية الرابعة - قوله تعالى « 3 » :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
. فيها مسألتان : المسألة الأولى - في سبب نزولها « 4 » : يروى أنّ أبي بن خلف أو العاصي بن وائل مرّ برمّة بالية فأخذها ، وقال : اليوم أغلب محمدا ، وجاء إليه ، فقال : يا محمد ، أنت الذي تزعم أنّ اللّه يعيد هذا كما بدأه ، وفتّته بيده ، حتى عاد « 5 » رميما ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ . . .
إلى آخر السورة .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت ، آية 48 . ( 2 ) في م : الكتابة . ( 3 ) آية 78 ، وما بعدها . ( 4 ) أسباب النزول للواحدي : 209 . ( 5 ) في م : صار .