أتاك أبو ليلى يجوب به الدّجى * دجى الليل جوّاب الفلاة عثمثم « 1 »
لتجبر منا جانبا دعدعت به * صروف الليالي والزمان المصمّم
فقال له ابن الزبير : هوّن عليك أبا ليلى ، فالشعر أدنى وسائلك عندنا ، أما صفوة مالنا فلآل الزبير ، وأما عفوته فإن بنى أسد وتميما شغلاها عنك ، ولكن لك في مال اللّه سهمان :
سهم برؤيتك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وسهم بشركتك أهل الإسلام في فيئهم ، ثم أخذ بيده ، ودخل دار المغنم « 2 » فأعطاه قلائص سبعا ، وجملا رحيلا ، وأوقر له الركاب برّا وتمرا ، فجعل النابغة يستعجل ، ويأكل الحبّ صرفا .
فقال ابن الزبير : ويح أبى ليلى ! لقد بلغ به الجهد !
فقال النابغة : أشهد ، لسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ما وليت قريش فعدلت ، ولا استرحمت فرحمت ، وحدثت فصدقت ، ووعدت فأنجزت ، فأنا والنبيون فرّاط القاصفين « 3 » .
قال الزبير بن بكار : فكأن الفارط الذي يتقدم إلى الماء يصلح الرّشاء والدّلاء . والقاصف :
الذي يتقدم لشراء الطعام .
المسألة الثامنة - في تحقيق القول فيه :
أما الاستعارات والتشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحدّ ، وتجاوزت المعتاد ، فبذلك يضرب الملك الموكّل بالرؤيا المثل ، وقد أنشد كعب بن زهير النبي صلى اللّه عليه وسلم « 4 » :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيّم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا « 5 » * إلا أغنّ غضيض الطّرف مكحول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت * كأنه منهل بالرّاح معلول
فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكلّ بديع . والنبي صلى اللّه عليه يسمع ولا ينكر ، حتى في تشبيه « 6 » ريقها بالرّاح .
هامش
( 1 ) عثمثم : جمل قوى شديد . والبيت في اللسان - عثم .
( 2 ) في م : دار النعم .
( 3 ) فراط جمع فارط ، أي متقدمون إلى الشفاعة . وقيل إلى الحوض . والقاصفون : المزدحمون ( النهاية ) .
( 4 ) ديوانه : 6 .
( 5 ) في م : إذ رحلت .
( 6 ) في م : تشبيهه .