فلما سرّى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سرّى عنه وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها : [ أبشرى ] « 1 » يا عائشة أمّا اللّه فقد برّأك .
قالت أمي : قومي إليه . فقلت ، واللّه « 2 » لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا اللّه ، وأنزل اللّه :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ . . .
العشر الآيات كلّها .
فلما أنزل اللّه هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره : واللّه لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة . فأنزل اللّه عز وجل « 3 » :
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
.
قال أبو بكر : بلى واللّه ، إني أحبّ أن يغفر اللّه لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه ، وقال : واللّه لا أنزعها منه أبدا .
قالت عائشة - وكان رسول اللّه يسأل « 4 » زينب بنت جحش عن أمرى ، قال : يا زينب ، ماذا علمت ؟ وماذا رأيت ؟ فقالت : يا رسول اللّه ، أحمى سمعي وبصرى « 5 » ، ما علمت إلا خيرا .
قالت : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فعصمها اللّه بالورع ، وطفقت أختها حمنة تحارب لها ، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك .
المسألة الثانية - قوله :
لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
.
قد بينا في كتب الأصول حقيقة الخير ، وأنه ما زاد نفعه على ضره . وحقيقة الشر ما زاد ضره على نفعه ، وأن خيرا لا شر فيه هو الجنة ، وشرّا لا خير فيه هو جهنم ، ولهذا صار البلاء النازل على الأولياء خيرا ، لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا ، وخيره - وهو الثواب - كثير في الآخرة ، فنبّه اللّه تعالى عائشة ومن ماثلها ممن ناله « 6 » همّ من هذا الحديث أنه ما أصابهم منه
هامش
( 1 ) من مسلم .
( 2 ) في ا : قالت فو اللّه .
( 3 ) آية 22 من سورة النور .
( 4 ) في مسلم : سأل .
( 5 ) أي أصون سمعي وبصرى من أن أقول سمعت ولم أسمع ، وأبصرت ولم أبصر .
( 6 ) في م : ممن آلمه .