تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحكام القرآن — صفحة 1302

مساهمون:

ص١٣٠٢
من الوحي كرّرها عليه جاهلا بها - تعالى اللّه عن ذلك - فحينئذ أنكرها عليه جبريل ، وقال له : ما جئتك بهذه . فحزن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لذلك ، وأنزل عليه « 1 » :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ
، فيا للّه والمتعلمين والعالمين من شيخ فاسد وسوس هامد ، لا يعلم أنّ هذه الآية نافية لما زعموا ، مبطلة لما رووا وتقوّلوا ! وهو : المقام السادس - وذلك أن قول العربي : كاد يكون كذا : معناه قارب ، ولم يكن ، فأخبر اللّه في هذه الآية أنهم قاربوا أن يفتنوه عن الذي أوحى إليه ، ولم تكن فتنة ، ثم قال : لتفترى علينا غيره . وهو : المقام السابع - ولم يفتر ، ولو فتنوك وافتريت لاتّخذوك خليلا ، فلم تفتتن ولا افتريت ، ولا عدوّك خليلا . ولولا أن ثبتناك وهو : المقام الثامن -
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
، فأخبر اللّه سبحانه وتعالى أنه ثبّته ، وقرّر التوحيد والمعرفة في قلبه ، وضرب عليه سرادق العصمة ، وآواه في كنف الحرمة . ولو وكله إلى نفسه ، ورفع عنه ظلّ عصمته لحظة لألممت بما راموه ، ولكنا أمرنا عليك بالمحافظة ، وأشرقنا بنور الهداية فؤادك ، فاستبصر ، وأزح عنك الباطل ، وادحر « 2 » . فهذه الآية نصّ في عصمته من كل ما نسب إليه ، فكيف يتأوّلها أحد ؟ عدّوا « 3 » عما نسب من الباطل إليه . المقام التاسع - قوله : فما زال مهموما حتى نزلت عليه :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ . . .
الآية . فأما غمّه وحزنه فبأن تمكّن الشيطان مما تمكّن ، مما يأتي بيانه ، وكان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يعزّ عليه أن ينال الشيطان منه شيئا وإن قلّ تأثيره . المقام العاشر - أنّ هذه الآية نصّ في غرضنا ، دليل على صحة مذهبنا ، أصل في براءة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم مما نسب إليه أنه قاله عندنا ، وذلك أنه قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
، فأخبر اللّه تعالى أن من سنته
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، آية 71 . ( 2 ) الفعل كجعل . والدحر : الطرد والإبعاد والدفع ( القاموس ) ( 3 ) تجاوزوا .
أحكام القرآن — صفحة 1302 | ابن العربي / علي محمد البجاوي / علي محمد البجاوي