فلما عتت قريش على اللّه ، وردّوا أمره وكرامته ، وكذّبوا نبيه ، وعذّبوا من آمن به ، وعبده ووحّده ، وصدّق نبيه ، واعتصم بدينه ، أذن اللّه لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم ، فكانت أول آية أنزلت في إذنه له بالحرب وإحلاله له الدماء :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
- إلى قوله . . .
الْأُمُورِ
« 1 » .
أي إنما أحللت لهم القتال ، لأنهم ظلموا ، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس إلا أن يعبدوا اللّه ، وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة .
ثم أنزل اللّه عليهم « 2 » :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
، وقد تقدم « 3 » بيان ذلك .
وعن هذا عبّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما
أخبرنا نصر بن إبراهيم الزاهد ، قال :
حدثنا علي بن موسى ، أنبأنا المروزي ، حدثنا الفربري « 4 » ، حدثنا البخاري ، حدثنا عبد اللّه بن محمد المسندى ، حدثنا حرمي بن عمارة ، حدثنا شعبة عن واقد بن محمد : سمعت أبي يحدّث عن ابن عمر أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على اللّه .
المسألة الثانية - قوله تعالى :
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ
دليل على نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره إلى الذي ألجأه وأكرهه ، ويترتب عليه حكم فعله ، ولذلك قال علماؤنا : إن المكره على إتلاف المال يلزمه الغرم ، وكذلك المكره على فتل الغير يلزمه القتل .
وروى في مختصر الطبري أن أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم استأذنوه في قتال الكفار ، إذ آذوه بمكة غيلة ، فنزلت « 5 » :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
. فلما هاجر إلى
هامش
( 1 ) أي آخر آية 41 .
( 2 ) سورة الأنفال ، آية 39 .
( 3 ) صفحة 843 .
( 4 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن مطر بن صالح الفربري راوية صحيح البخاري ( اللباب : 2 - 202 )
( 5 ) سورة الحج ، آية 38 .