الآية الثامنة عشرة - قوله تعالى « 1 » :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
.
قد أطلنا النّفس في هذه الآية في كتاب المشكلين وشرح الصحيح بما يقف بكم فيها على المعرفة ، فأما الآن فخذوا نبذة تشرف بكم على الغرض :
ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من طريق ابن مسعود وغيره قال « 2 » : بينا أنا مع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في حرث وهو متّكئ على عسيب إذ مرّ اليهود فقال بعضهم لبعض :
سلوه عن الروح ، فقال : ما رابكم إليه « 3 » ؟ وقال بعضهم : لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه .
قالوا : سلوه ، فسألوه عن الرّوح ، فأمسك النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فلم يردّ عليهم شيئا ، فعلمت أنه يوحى إليه ، فقمت مقامي ، فلما نزل الوحي قال :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ . . .
الآية .
قال ابن وهب عن مالك : لم يأته في ذلك جواب ، وقد قال بكر بن مضر في رواية ابن وهب عنه : إنّ اليهود قالوا : سلوه عن الروح ، فإن أخبركم فليس بنبىّ ، وإن لم يخبركم فهو نبىّ ، فسألوه فنزلت الآية .
ومعنى هذا أنّ الأنبياء لا يتكلمون مع الخلق في المتشابهات ، ولا يفيضون معهم في المشكلات ، وإنما يأخذون في البيّن من الأمور المعقولات ، والروح خلق من خلق اللّه تعالى جعله اللّه في الأجسام ، فأحياها به ، وعلمها وأقدرها ، وبنى عليها الصفات الشريفة ، والأخلاق الكريمة ، وقابلها بأضدادها لنقصان الآدمية ، فإذا أراد العبد إنكارها لم يقدر لظهور آثارها ، وإذا أراد معرفتها وهي بين جنبيه لم يستطع ، لأنه قصر عنها وقصر به دونها .
وقال أكثر العلماء : إنه سبحانه ركّب ذلك فيه عبرة ، كما قال :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
، ليرى أنّ البارئ تعالى لا يقدر على جحده لظهور آياته في أفعاله :
ففي كل شيء له آية * تدلّ على أنه واحد
ولا يحيط به لكبريائه وعظمته ، فإذا وقف متفكرا في هذا ناداه الاعتبار : لا ترتب ،
هامش
( 1 ) آية 85 .
( 2 ) صحيح مسلم : 2152 .
( 3 ) أي ما دعاكم إلى سؤال تخشون عاقبته بأن يستقبلكم بشيء تكرهونه ( النهاية )