الأرض التي يسير إليها سليمان عليه السلام كائنة ما كانت ، وذلك أنه لم يكن يسير إلى أرض إلا أصلحها وقتل كفارها وأثبت فيها الإيمان وبث فيها العدل . ولا بركة أعظم من هذا ، فكأنه قال إلى أي أرض باركنا فيها بعثنا سليمان إليها .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 82 إلى 84 ]
وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ( 82 ) وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ( 84 )
يحتمل أن يكون قوله تعالى :
يَغُوصُونَ
في موضع نصب على معنى وسخرنا ، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على الابتداء ، ويتناسب هذا مع القراءتين المتقدمتين في قوله تعالى :
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ
[ سبأ : 12 ] بالنصب والرفع وقوله تعالى :
يَغُوصُونَ
جمع على معنى
مِنَ
لا على لفظها .
و « الغوص » الدخول في الماء والأرض والعمل دون ذلك البنيان وغيره من الصنائع والخدمة ونحوه ، وقوله تعالى :
وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ
قيل معناه من إفسادهم ما صنعوه فإنهم كان لهم حرص على ذلك لولا ما حال اللّه تعالى : « بينهم وبين ذلك » ، وقيل معناه عادين وحاصرين أي لا يشذ عن علمنا وتسخيرنا أحد منهم وقوله :
وَأَيُّوبَ
أحسن ما فيه النصب بفعل مضمر تقديره واذكر أيوب ، وفي قصص أيوب عليه السلام طول واختلاف من المفسرين ، وتلخيص ذلك أنه روي أن أيوب عليه السلام ، كان نبيا مبعوثا إلى قوم ، وكان كثير المال من الإبل والبقر والغنم ، وكان صاحب البثنية من أرض الشام يغمر كذلك مدة ، ثم إن اللّه تعالى ، لما أراد محنته وابتلاءه ، أذن لإبليس في أن يفسد ماله ، فاستعان بذريته فأحرقوا ماله ونعمه أجمع ، فكان كلما أخبر بشيء من ذلك حمد اللّه تعالى وقال هي عارية استردها صاحبها والمنعم بها ، فلما رأى إبليس ذلك جاء فأخبر بعجزه عنه ، وأذن اللّه له في إهلاكه بنيه وقرابته ففعل ذلك أجمع ، فدام أيوب على شكره وصبره ، فأخبره إبليس بعجزه ، فأذن اللّه له في إصابته في بدنه وحجر عليه لسانه وعينيه وقلبه ، فجاءه إبليس وهو ساجد ، فنفخ في أنفه نفخة احترق بدنه منها وجعلها اللّه تعالى أكلة في بدنه ، فلما عظمت وتقطع أخرجه الناس من بينهم وجعلوه على سباطة ولم يبق معه بشر حاشى زوجته ، ويقال كانت بنت يوسف الصديق ، وقيل اسمها رحمة ، وقيل في أيوب إنه من بني إسرائيل ، وقيل من الروم من قرية عيصو ، فكانت زوجته تسعى عليه وتأتيه يأكل وتقوم عليه ، فدام في هذا العذاب مدة طويلة قيل ثلاثين سنة ، وقيل ثماني عشرة ، وقيل اثنتي عشرة ، وقيل تسعة أعوام ، وقيل ثلاثة ، وهو في كل ذلك صابر شاكر ، حتى جاءه فيما روي ثلاثة ممن كان آمن به فوقذوه بالقول وأنبوه ونجهوه . وقالوا ما صنع بك ربك هذا إلا لخبث باطنة فيك ، فراجعهم أيوب في آخر قولهم بكلام مقتضاه أنه ذليل لا يقدر على إقامة حجة ولا بيان ظلامة ، فخاطبه اللّه تعالى معاتبا على هذه المقالة ومبينا أنه لا حجة لأحد مع اللّه ولا يسأل عما يفعل ثم عرفه تعالى بأنه قد أذن في صلاح حاله وعاد عليه بفضله ، فدعا أيوب عند ذلك فاستجيب له ، ويروى أن أيوب لم يزل