تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
قوله عزّ وجل :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 25 إلى 28 ]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 ) لما أخبرهم تعالى أنهم لا يعلمون الحق لإعراضهم أتبع ذلك بإعلامهم أنه ما أرسل قط رسولا إلا أوحى إليه أن اللّه تعالى فرد صمد ، وهذه عقيدة لم تختلف فيها النبوات ، وإنما اختلفت في الأحكام . وقرأ حمزة والكسائي « نوحي » بنون مضمومة ، وقرأ الباقون « يوحى » بياء مضمومة . واختلف عن عاصم ثم عدد بعد ذلك نوعا آخر من كفرهم وذلك أنهم مع اتخاذهم آلهة كانوا يقربون باللّه تعالى هو الخالق الرازق إلا أنهم قال بعضهم اتخذ الملائكة بنات ، وقال نحو هذه المقالة النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام ، واليهود في عزير ، فجاءت هذه الآية رادة على جميعهم منبهة عليهم ، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالة الكفرة وأضرب عن مقالهم ونص ما هو الأمر في نفسه بقوله
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
وهذه عبارة تشمل الملائكة وعزيرا وعيسى . وقوله تعالى :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ
عبارة عن حسن طاعتهم ومراعاتهم لامتثال الأمر ، وقوله تعالى :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
أي ما تقدم من أفعالهم وأعمالهم ، والحوادث التي لها إليهم تنسب وما تأخر ، ثم أخبر تعالى أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى اللّه أن يشفع له ، قال بعض المفسرين لأهل لا إله إلا اللّه ، « والمشفق » البالغ في الخوف المحترق من الفزع على أمر ما . قوله عزّ وجل :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 29 إلى 30 ]

وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 29 ) أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) المعنى من يقل منهم كذا أن لو قاله وليس منهم من قال هذا ، وقال بعض المفسرين المراد بقوله
وَمَنْ يَقُلْ
الآية ، إبليس . قال القاضي أبو محمد : هذا ضعيف لأن إبليس لم يرو قط أنه ادعى ربوبية ، وقرأ الجمهور « نجزيه » بفتح النون ، وقرأ أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن يزيد « نجزيه » بضم النون والهاء ووجهها أن المعنى نجعلها تكتفي به من قولك أجزاني الشيء ثم خففت الهمزة ياء . وقوله تعالى :
كَذلِكَ
أي كجزائنا هذا القائل جزاؤنا الظالمين ، ثم وقفهم على عبرة دالة على وحدانية اللّه جلت قدرته ، و « الرتق » الملتصق بعضه ببعض المبهم الذي لا صدع فيه ولا فتح ومنه امرأة رتقاء ، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى :
كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
فقالت فرقة كانت السماء ملتصقة بعضها ببعض والأرضون كذلك ففتقهما اللّه تعالى سبعا
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 79 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى