قوله عزّ وجل :
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 29 إلى 33 ]
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 29 ) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ ( 30 ) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ( 31 ) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ ( 32 ) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 33 )
قول هذا المؤمن :
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
استنزال لهم ووعظ لهم من جهة شهواتهم وتحذير من زوال ترفتهم ونصيحة لهم في أمر دنياهم .
وقوله :
فِي الْأَرْضِ
يريد في أرض مصر وما والاها من مملكتهم . ثم قررهم على من هو الناصر لهم من بأس اللّه ، وهذه الأقوال تقتضي زوال هيبة فرعون ، ولذلك استكان هو ورجع يقول :
ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى
كما تقول لمن لا تحكم له .
وقوله :
أُرِيكُمْ
من رأى قد عدي بالهمزة ، فللفعل مفعولان أحدهما الضمير في
أُرِيكُمْ
والآخر ما في قوله :
إِلَّا ما
وكأن الكلام أراكم ما أرى ، ثم أدخل في صدر الكلام
ما
النافية وقلب معناها ب
إِلَّا
الموجبة تخصيصا وتأكيدا للأمر ، وهذا كما تقول : قام زيد ، فإذا قلت : ما قام إلا زيد أفدت تخصيصه وتأكيد أمره . و
أَرى
متعدية إلى مفعول واحد وهو الضمير الذي فيه العائد على
ما
، تقديره : إلا ما أراه ، وحذف هذا المفعول من الصفة حسن لطول الصلة .
وقرأ الجمهور :
الرَّشادِ
مصدر رشد ، وفي قراءة معاذ بن جبل : « سبيل الرّشاد » بشد الشين . قال أبو الفتح : وهو اسم فاعل في بنيته مبالغة وهو من الفعل الثلاثي رشد فهو كعباد من عبد . وقال النحاس : هو لحن وتوهمه من الفعل الرباعي وقوله مردود . قال أبو حاتم : كان معاذ بن جبل يفسرها سبيل اللّه . ويبعد عندي هذا على معاذ رضي اللّه عنه ، وهل كان فرعون إلا يدعي أنه إله ، ويقلق بناء اللفظة على هذا التأويل .
واختلف الناس من المراد بقوله :
وَقالَ الَّذِي آمَنَ
فقال جمهور المفسرين : هو المؤمن المذكور أولا ، قص اللّه تعالى أقاويله إلى آخر الآيات . وقالت فرقة : بل كلام ذلك المؤمن قديم ، وإنما أراد تعالى ب
الَّذِي آمَنَ
موسى عليه السلام ، واحتجت هذه الفرقة بقوة كلامه ، وأنه جلح معهم بالإيمان وذكر عذاب الآخرة وغير ذلك ، ولم يكن كلام الأول إلا بملاينة لهم .
وقوله :
مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ
مثل يوم من أيامهم ، لأن عذابهم لم يكن في يوم واحد ولا عصر