وروي أن اللّه تعالى وهب له أهله وماله في الدنيا ، ورد من مات منهم ، وما هلك من ماشيته وحاله ثم بارك في جميع ذلك ، وولد له الأولاد حتى تضاعف الحال . وروي أن هذا كله وعد في الآخرة ، أي يفعل اللّه له ذلك في الآخرة ، والأول أكثر في قول المفسرين . و
رَحْمَةً
نصب على المصدر .
وقوله :
وَذِكْرى
معناه : موعظة وتذكرة يعتبر بها أهل العقول ويتأسون بصبره في الشدائد ولا ييأسون من رحمة اللّه على حال . وروي أن أيوب عليه السلام كانت زوجته مدة مرضه تختلف إليه ، فيلقاها الشيطان في صورة طبيب ، ومرة في هيئة ناصح وعلى غير ذلك ، فيقول لها : لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني لبرئ ، لو ذبح عناقا للصنم الفلاني لبرئ ويعرض عليها وجوها من الكفر ، فكانت هي ربما عرضت ذلك على أيوب ، فيقول لها : ألقيت عدو اللّه في طريقك ؟ فلما أغضبته بهذا ونحوه ، حلف لها لئن برئ من مرضه ليضربنها مائة سوط ، فلما برئ أمره اللّه أن يأخذ ضغثا فيه مائة قضيب . و « الضغث » القبضة الكبيرة من القضبان ونحوها من الشجر الرطب ، قاله الضحاك وأهل اللغة فيضرب به ضربة واحدة فتبر يمينه ، ومنه قولهم : ضغث على إبالة . والإبالة : الحزم من الحطب .
و « الضغث » : القبضة عليها من الحطب أيضا ، ومنه قول الشاعر [ عوف بن الخرع ] : [ الطويل ]
وأسفل مني نهدة قد ربطتها * وألقيت ضغثا من خلى متطبب
ويروى متطيب . هذا حكم قد ورد في شرعنا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثله في حد زنا لرجل زمن ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعذق نخلة فيها شماريخ مائة أو نحوها ، فضرب به ضربة ، ذكر الحديث أبو داود ، وقال بهذا بعض فقهاء الأمة ، وليس يرى ذلك مالك بن أنس وجميع أصحابه ، وكذلك جمهور العلماء على ترك القول به ، وأن الحدود والبر في الأيمان لا يقع إلا بإتمام عدد الضربات .
قوله عزّ وجل :
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 45 إلى 54 ]
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ( 47 ) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ ( 48 ) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 )
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ( 50 ) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ ( 51 ) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ ( 52 ) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ ( 53 ) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ( 54 )
قرأ ابن كثير : « واذكر عبدنا » على الإفراد ، وهي قراءة ابن عباس وأهل مكة . وقرأ الباقون : « واذكر عبادنا » على الجمع ، فأما على هذه القراءة فدخل الثلاثة في الذكر وفي العبودية ، وأما على قراءة من قرأ « عبدنا » ، فقال مكي وغيره : دخلوا في الذكر ولم يدخلوا في العبودية إلا من غير هذه الآية وفي هذا نظر .
وتأول قوم من المتأولين من هذه الآية أن الذبيح
إِسْحاقَ
من حيث ذكره اللّه بعقب ذكر أيوب أنبياء