تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
أطعتني رجعوا ، فلم يطعه ، فأصابه في جسده ، فثبت أيوب على أمر اللّه سبع سنين وسبعة أشهر ، قاله قتادة . وروى أنس عن النبي عليه السلام أن أيوب بقي في محنته ثماني عشر سنة يتساقط لحمه حتى مله العالم ، ولم يصبر عليه إلا امرأته . وروي أن السبب الذي امتحن اللّه أيوب من أجله هو : أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكرا فلم يغيره . وروي أن السبب : كان أنه ذبح شاة وطبخها وأكلت عنده ، وجار له جائع لم يعطه منها شيئا . وروي أن أيوب لما تناهى بلاؤه وصبره ، مر به رجلان ممن كان بينه وبينهما معرفة فتقرعاه ، وقالا له : لقد أذنبت ذنبا ما أذنب أحد مثله ، وفهم منهما شماتا به ، فعند ذلك دعا ونادى ربه . وقوله عليه السلام :
مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ
يحتمل أن يشير إلى مسه حين سلطه اللّه عليه حسبما ذكرنا ، ويحتمل أن يريد : مسه إياه حين حمله في أول الأمر على أن يواقع الذنب الذي من أجله كانت المحنة ، إما ترك التغيير عند الملك ، وإما ترك مواساة الجار . وقيل أشار إلى مسه إياه في تعرضه لأهله وطلبه منه أن يشرك باللّه ، فكان أيوب يتشكى هذا الفعل ، وكان أشد عليه من مرضه . وقرأ الجمهور : « أني » بفتح الهمزة . وقرأ عيسى بن عمر : « إني » بكسرها . وقوله :
أَنِّي
في موضع نصب بإسقاط حرف الجر . وقرأ جمهور الناس : « بنصب » بضم النون وسكون الصاد . وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم : « بنصب » بفتح النون والصاد ، وهي قراءة الجحدري ويعقوب ، ورويت عن الحسن وأبي جعفر . وقرأ أبو عمارة عن حفص عن عاصم : « بنصب » بضم النون والصاد ، وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع والحسن بخلاف عنه ، وروى أيضا هبيرة عن حفص عن عاصم بفتح النون وسكون الصاد ، وذلك كله بمعنى واحد ، معناه المشقة ، وكثيرا ما يستعمل النصب في مشقة الإعياء ، وفرق بعض الناس بين هذه الألفاظ ، والصواب أنها لغات بمعنى ، من قولهم أنصبني الأمر ونصبني إذا شق علي ، فمن ذلك قول الشاعر [ الطويل ] تبغاك نصب من أميمة منصب ومثله قول النابغة : [ الطويل ] كليني لهمّ يا أميمة ناصب قال القاضي أبو محمد : وقد قيل في هذا البيت إن ناصبا بمعنى منصب ، وأنه على النسب ، أي ذا نصب ، وهنا في الآية محذوف كثير ، تقديره : فاستجاب له . وقال
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ
والركض : الضرب بالرجل ، والمعنى : اركض الأرض . وروي عن قتادة أن هذا الأمر كان في الجابية من أرض الشام . وروي أن أيوب أمر بركض الأرض فركض فيها ، فنبعت له عين ماء صافية باردة فشرب منها ، فذهب كل مرض في داخل جسده ، ثم اغتسل فذهب ما كان في ظاهر بدنه . وروي أنه ركض مرتين ونبع له عينان : شرب من إحداهما ، واغتسل في الأخرى وقرأ نافع وشيبة وعاصم والأعمش : « بعذاب اركض » ، بضم نون التنوين . وقرأ عامة قراء البصرة : « بعذاب اركض » ، بنون مكسورة و :
مُغْتَسَلٌ
معناه : موضع غسل ، وماء غسل ، كما تقول : هذا الأمر معتبر ، وهذا الماء مغتسل مثله .