« غفرنا » : معناه سترنا ، وذلك إشارة إلى الذنب المتقدم . و : « الزلفى » : القربة والمكانة الرفيعة .
و « المآب » : المرجع في الآخرة ، ومن آب يئوب إذا رجع ، وبعد هذا حذف يدل عليه ظاهر الكلام ، تقديره : وقلنا له
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
، واستدل بعض الناس من هذه الآية على احتياج الأرض إلى خليفة من اللّه تعالى .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق : وليس هذا بلازم من الآية ، بل لزومه من الشرع والإجماع ، ولا يقال خليفة اللّه إلا لرسوله ، وأما الخلفاء : فكل واحد منهم خليفة الذي قبله ، وما يجيء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة اللّه ، فذلك تجوز وغلو كما قال ابن قيس الرقيات : [ المنسرح ]
خليفة اللّه في بريته * جفت بذاك الأقلام والكتب
ألا ترى أن الصحابة رضي اللّه عنهم حرروا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر الصديق خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبهذا كان يدعى مدته ، فلما ولي عمر قالوا : يا خليفة خليفة رسول اللّه ، فطال الأمر ، ورأوا أنه في المستقبل سيطول أكثر ، فدعوه أمير المؤمنين ، وقصر هذا الاسم على الخلفاء .
وقوله عزّ وجل :
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
. إلى قوله :
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
اعتراض بين الكلامين من أمر داود وسليمان ، هو خطاب لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وعظة لأمته ، ووعيد للكفرة به .
وقرأ أبو حيوة : « يضلون » بضم الياء ، و
نَسُوا
في هذه الآية معناه : تركوا وأخبر تعالى أن الذين كفروا يظنون أن خلق السماء وما بينهما إنما هو باطل لا معنى له ، وأن الأمر ليس يؤول إلى ثواب ولا إلى عقاب .
وأخبر تعالى عن كذب ظنهم وتوعدهم بالنار ، ثم وقف تعالى على الفرق عنده بين المؤمنين العاملين بالصالحات ، وبين المفسدين بالكفرة ، وبين المتقين والفجار ، وفي هذا التوقيف حض على الإيمان وترغيب فيه ، ووعيد للكفرة . ثم أحال في طلب الإيمان والتقوى على كتابه العزيز بقوله :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ
المعنى : هذا كتاب لمن أراد التمسك بالإيمان والقربة إلينا ، وفي هذه الآيات اقتضاب وإيجاز بديع حسب إعجاز القرآن العزيز ووصفه بالبركة لأن أجمعها فيه ، لأنه يورث الجنة وينقذ من النار ، ويحفظ المرء في حال الحياة الدنيا ويكون سبب رفعة شأنه في الحياة الآخرة .