فهو خمر ، وذهب بعض الناس إلى أن الكأس آنية مخصوصة في الأواني وهو كل ما اتسع فمه ولم يكن له مقبض ، ولا يراعى في ذلك كونه بخمر أم لا ، وقوله تعالى :
مِنْ مَعِينٍ
يريد من جار مطرد ، فالميم في
مَعِينٍ
أصلية لأنه من الماء المعين ، ويحتمل أن يكون من العين فتكون الميم زائدة أي مما يعين بالعين مستور ولا في خزن ، وخمر الدنيا إنما هي معصورة مختزنة ، وخمر الآخرة جارية أنهارا ، وقوله
بَيْضاءَ
يحتمل أن يعود على الكأس ويحتمل أن يعود على الخمر وهو الأظهر ، وقال الحسن بن أبي الحسن : خمر الجنة أشد بياضا من اللبن ، وفي قراءة عبد اللّه بن مسعود « صفراء » فهذا موصوف به الخمر وحدها ، وقوله تعالى
لَذَّةٍ
أي ذات لذة فوصفها بالمصدر اتساعا ، وقد استعمل هذا حتى قيل لذ بمعنى لذيذ ، ومنه قول الشاعر : [ الكامل ]
بحديثك اللذ الذي لو كلّمت * أسد الفلاة به أتين سراعا
وقوله و
لا فِيها غَوْلٌ
، لم تعمل
لا
لأن الظرف حال بينها وبين ما شأن التبرية أن تعمل فيه ، و « الغول » اسم عام في الأذى ، يقال غاله كذا إذا أضره في خفاء ، ومنه الغيلة في القتل وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم في الرضاع « لقد هممت أن أنهى عن الغيلة » ومن اللفظة قول الشاعر : [ الطويل ]
مضى أولونا ناعمين بعيشهم * جميعا وغالتني بمكة غول
أي عاقتني عوائق ، فهذا معنى من معاني الغول ، ومنه قول العرب ، في مثل من الأمثال ، « ما له غيل » ما أغاله يضرب للرجل الحديد الذي لا يقوم لأمر إلا أغنى فيه ، أو الرجل يدعى له بأن يؤذي ما آذاه ، وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد في الآية « الغول » وجع في البطن ، وقال ابن عباس أيضا وقتادة : هو صداع في الرأس .
قال القاضي أبو محمد : والاسم أعم من هذا كله فنفى عن خمر الجنة جميع أنواع الأذى إذ هي موجودة في خمر الدنيا ، نحا إلى هذا العموم سعيد بن جبير ، ومنه قول الشاعر : [ المتقارب ]
وما زالت الخمر تغتالنا * وتذهب بالأول الأول
أي تؤذينا بذهاب العقل ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر « ينزفون » بفتح الزاي وكذلك في سورة الواقعة من قوله « نزف الرجل إذا سكر ونزفته الخمر » ، والنزيف السكران ومنه قول الشاعر [ جميل بن معمر ] : [ الكامل ]
فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف لبرد ماء الحشرج
وبذهاب العقل فسر ابن عباس وقتادة
يُنْزَفُونَ
، وقرأ حمزة والكسائي « ينزفون » بكسر الزاي وكذلك في الواقعة من أنزف ينزف ويقال أنزف بمعنيين أحدهما سكر ومنه قول الأبيرد الرياحي . [ الطويل ]
لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم * لبيس الندامى أنتم آل أبجرا
والثاني نزف شرابه يقال أنزف الرجل إذا تمّ شرابه فهذا كله منفي عن أهل الجنة ، وقرأ عاصم هنا بفتح الزاي وفي الواقعة بكسر الزاي ، وقرأ ابن أبي إسحاق « ينزفون » بفتح الياء وكسر الزاي ، و
قاصِراتُ