الحرص على التقرب إلى الملكة والجد في خدمتها ورضاها ، فتركوها ، وسألوها الدلالة فجاءت بأم موسى فلما قربته شرب ثديها ، فسرت آسية امرأة فرعون وقالت لها كوني معي في القصر ، فقالت لها ما كنت لأدع بيتي وولدي ولكنه يكون عندي ، قالت نعم فأحسنت إلى ذلك البيت غاية الإحسان واعتز بنو إسرائيل بهذا الرضاع ، والسبب من الملكة ، وأقام موسى حتى كمل رضاعه فأرسلت إليها آسية أن جيئي بولدي ليوم كذا ، وأمرت خدمها ومن لها أن يلقينه بالتحف والهدايا واللباس ، فوصل إليها على ذلك وهو بخير حال وأجمل ثياب فسرت به ودخلت على فرعون ليراه ويهبه فرآه وأعجبه وقربه فأخذ موسى عليه السلام بلحية فرعون وجذبها ، فاستشاط فرعون وقال هذا عدو لي وأمر بذبحه ، فنا شدته فيه امرأته وقالت إنه لا يعقل ، فقال فرعون بل يعقل فاتفقا على تجربته بالجمر والياقوت حسبما ذكرناه آنفا في حل العقدة ، فنجاه اللّه من فرعون ورجع إلى أمه فشب عندها فاعتز به بنو إسرائيل إلى أن ترعرع ، وكان فتى جلدا فاضلا كاملا فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرضاع وكان يحميهم ويكون ضلعه معهم وهو يعلم من نفسه أنه منهم ومن صميمهم ، فكانت بصيرته في حمايتهم وكيدة ، وكان يعرف ذلك أعيان بني إسرائيل . ثم إن قصة القبطي المتقاتل مع الإسرائيلي نزلت وذكرها في موضعها مستوعب ، فخرج موسى عليه السلام من مصر حتى وصل إلى مدين ، فكان من أمره مع شعيب ما هو في موضعه مستوعب يختص منه بهذا الموضع أنه تزوج ابنته الصغرى على رعية الغنم عشر سين ، ثم إنه اعتزم الرحيل بزوجته إلى بلاد مصر فجاء في طريقه فضل في ليلة مظلمة فرأى النار حسبما تقدم ذكره ، فعدد اللّه تعالى على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القصة من لطف اللّه تعالى به في كل فصل وتخليصه له من قصة إلى أخرى ، وهذه الفتون التي فتنه بها أي اختبره وخلصه حتى صلح للنبوءة وسلم لها . وقوله
ما يُوحى
إبهام يتضمن عظم الأمر وجلالته في النعم وهذا نحو قوله تعالى
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
[ النجم : 16 ] وهو كثير في القرآن والكلام ، و
أَنِ
في قوله
أَنِ اقْذِفِيهِ
بدل من
ما
والضمير الأول في
اقْذِفِيهِ
عائد على موسى وفي الثاني على
التَّابُوتِ
، ويجوز أن يعود على « موسى » . وقوله
فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ
خبر خرج في صيغة الأمر إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها ، ومنه قول النبي عليه السلام « قوموا فلأصل لكم » فأخبر الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة وهذا كثير ، ومن حيث خرج الفعل مخرج الأمر حسن جوابه كذلك ، و « والعدو » الذي هو للّه ولموسى كان فرعون ولكن أم موسى أخبرت به على الإبهام ولذلك قالت لأخته قصيه وهي لا تدري أين . ثم أخبر تعالى موسى أنه « ألقى عليه محبة » منه فقال بعض الناس أراد محبة آسية لأنها كانت من اللّه وكانت سبب حياته .
وقالت فرقة : أراد القبول الذي يضعه اللّه في الأرض لخيار عباده ، وكان حظ موسى منه في غاية الوفر . وقالت فرقة : أعطاه جمالا يحبه به كل من رآه ، وقالت فرقة : أعطاه ملاحة العينين ، وهذان القولان فيهما ضعف وأقوى الأقوال أنه القبول . وقرأ الجمهور و « لتصنع » بكسر اللام وضم التاء على معنى ولتغدى وتطعم وتربى ، وقرأ أبو نهيك « ولتصنع » بفتح التاء ، قال ثعلب معناه لتكون حركتك وتصرفك على عين مني ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع « ولتصنع » بسكون اللام على الأمر للغالب وذلك متجه . وقوله
عَلى عَيْنِي
معناه بمرأى مني وأمر مدرك مبصر مراعى .
قوله عزّ وجل :