إياها وإنما قررت أنها لم تكن لها في ذلك مشاركة ، ثم ذنبت الجن ، وعبادة البشر للجن هي فيما نعرفه نحن بطاعتهم إياهم وسماعهم من وسوستهم وإغوائهم ، فهذا نوع من العبادة ، وقد يجوز إن كان في الأمم الكافرة من عبد الجن ، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها ، ثم قال تعالى :
فَالْيَوْمَ
وفي الكلام حذف تقديره فيقال لهم أي من عبد ومن عبد اليوم
لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً
، وقوله
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا
ذكر اللّه تعالى في هذه الآية أقوال الكفرة وأنواع كلامهم عندما يقرأ عليهم القرآن ويسمعون حكمته وبراهينه البينة ، فقائل طعن على النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه يقدح في الأوثان ودين الآباء ، وقائل طعن عليه بأن هذا القرآن مفترى أي مصنوع من قبل محمد صلى اللّه عليه وسلم ويدعي أنه من عند اللّه ، وقائل طعن عليه بأن ما عنده من الرقة واستجلاب النفوس واستمالة الأسماع إنما هو سحر به يخلب ويستدعى ، تعالى اللّه عن أقوالهم وتقدست شريعته عن طعنهم .
قوله عزّ وجل :
[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 44 إلى 46 ]
وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ( 44 ) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 45 ) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 46 )
معنى هذه الآية أنهم يقولون بآرائهم في كتاب اللّه فيقول بعضهم سحر ، وبعضهم افتراء ، وذلك منهم تسور لا يستندون فيه إلى إثارة علم ولا إلى خبر من يقبل خبره ، فإنا ما آتيناهم كتبا يدرسونها ولا أرسلنا إليهم نذيرا فيمكنهم أن يدعوا أن أقوالهم تستند إلى أمره ، وقرأ جمهور الناس « يدرسونها » بسكون الدال ، وقرأ أبو حيوة « يدرّسونها » بفتح الدال وشدها وكسر الراء - والمعنى وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء ولا يباشر أهل عصرهم ولا من قرب من آبائهم ، وإلا فقد كانت النذارة في العالم وفي العرب مع شعيب وصالح وهود ودعوة اللّه وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه ، فإنما معنى هذه الآية
مِنْ نَذِيرٍ
يختص بهؤلاء الذين بعثناك إليهم ، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل ، واللّه تعالى يقول : إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيّا ولكن لم يتجرد للنذارة وقاتل عليها إلا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ثم مثل لهم بالأمم المكذبة قبلهم ، وقوله
وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ
يحتمل ثلاثة معان : أحدها أن يعود الضمير في
بَلَغُوا
على قريش ، وفي
آتَيْناهُمْ
على الأمم
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
، والمعنى من القوة والنعم والظهور في الدنيا ، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد ، والثاني أن يعود الضمير في
بَلَغُوا
على الأمم المتقدمة وفي
آتَيْناهُمْ
على قريش ، والمعنى من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به ، والثالث أن يعود الضميران على الأمم المتقدمة ، والمعنى من شكر النعمة وجزاء المنة و « المعشار » ، ولم يأت هذا البناء إلا في الشعرة والأربعة فقالوا : مرباع ومعشار وقال قوم : المعشار عشر العشر .
قال القاضي أبو محمد : وهذا ليس بشيء ، والنكير مصدر كالإنكار في المعنى وكالعديد في الوزن