« قولوا : اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا » ، فقالها المسلمون في تلك الضيقات . ثم أثنى اللّه على رجال من المؤمنين عاهدوا اللّه تعالى على الاستقامة التامة فوفوا وقضوا نحبهم ، أي نذرهم وعهدهم ، و « النحب » في كلام العرب النذر ، والشيء الذي يلتزمه الإنسان ، ويعتقد الوفاء به ، ومنه قول الشاعر : « قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر » ، المعنى أنه التزم الصبر إلى موت أو فتح فمات ومن ذلك قول جرير : [ الطويل ]
بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا * عشية بسطام جرين على نحب
أي على أمر عظيم التزم القيام ، كأنه خطر عظيم وشبهه ، وقد يسمى الموت نحبا ، وبه فسر ابن عباس هذه الآية ، وقال الحسن
قَضى نَحْبَهُ
مات على عهد ، ويقال للذي جاهد في أمر حتى مات قضى فيه نحبه ، ويقال لمن مات قضى فلان نحبه ، وهذا تجوز كأن الموت أمر لا بد للإنسان أن يقع به فسمي نحبا ، لذلك فممن سمى المفسرون أنه أشير إليه بذلك أنس بن النضر عم أنس بن مالك ، وذلك أنه غاب عن بدر فساءه ذلك وقال : لئن شهدت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مشهدا ليرين اللّه ما أصنع ، فلما كانت أحد أبلى بلاء حسنا حتى قتل ووجد فيه نيف على ثمانين جرحا ، فقالت فرقة : إن هذه الإشارة هي إلى أنس بن النضر ونظرائه ممن استشهد في ذات اللّه تعالى ، وقال مقاتل والكلبي الرجال الذين
صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
هم أهل العقبة السبعون أهل البيعة ، وقالت فرقة : الموصوفون بقضاء النحب هم جماعة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفوا بعهود الإسلام على التمام ، فالشهداء منهم ، والعشرة الذين شهد لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالجنة منهم ، إلى من حصل في هذه المرتبة ممن لم ينص عليه ، ويصحح هذه المقالة ما روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان على المنبر فقال له أعرابي : يا رسول اللّه من الذي قضى نحبه ؟ فسكت النبي صلى اللّه عليه وسلم ساعة ، ثم دخل طلحة بن عبيد اللّه على باب المسجد وعليه ثوبان أخضران فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أين السائل ؟ فقال : ها أنا ذا يا رسول اللّه ، قال : هذا ممن قضى نحبه .
قال القاضي أبو محمد : فهذا أدل دليل على أن النحب ليس من شروطه الموت ، وقال معاوية بن أبي سفيان : إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « طلحة ممن قضى نحبه » ، وروت هذا المعنى عائشة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ
يريد ومنهم من ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح وهو بسبيل ذلك
وَما بَدَّلُوا
وما غيروا ، ثم أكد بالمصدر ، وقرأ ابن عباس على منبر البصرة « ومنهم من بدل تبديلا » ، رواه عنه أبو نصرة ، وروى عنه عمرو بن دينار « ومنهم من ينتظر وآخرون بدلوا تبديلا » ، واللام في قوله تعالى :
لِيَجْزِيَ
لام الصيرورة والعاقبة ، ويحتمل أن تكون لام كي ، وتعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم والتوبة موازية لتلك الإدامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان : إقامة على نفاق ، أو توبة منه ، وعنهما ثمرتان تعذيب ، أو رحمة ، فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدة من هاتين ، وواحدة من هاتين ، ودل ما ذكر على ما ترك ذكره ويدلك على أن معنى قوله « ليعذب » ليديم على النفاق قوله
إِنْ شاءَ
ومعادلته بالتوبة وبحرف
أَوْ
ولا يجوز أحد أن
إِنْ شاءَ
يصح في تعذيب منافق على نفاقه بل قد حتم اللّه على نفسه بتعذيبه .