تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
مجراها ، ومعنى
هُوَ الْحَقُّ
أي صفة الألوهية له حق ، فيحسن في القول تقدير ذو ، وكذلك الباب متى أخبر بمصدر عن عين فالتقدير ذو كذا وحق مصدر ومنه قول الشاعر : فإنما هي إقبال وإدبار وهذا كثير ومتى قلت كذا وكذا حق فإنما معناه اتصاف كذا بكذا حق ، وقوله
وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
يصح أن يريد الأصنام وتكون بمعنى الذي ويكون الإخبار عنها ب
الْباطِلُ
على نحو ما قدمناه في
الْحَقُّ
، ويصح أن تكون
ما
مصدرية كأنه قال وأن دعاءكم من دونه آلهة الباطل أي الفعل الذي لا يؤدي إلى الغاية المطلوبة به ، وقرأ الجمهور « تدعون » بالتاء من فوق ، وقرأ « يدعون » بالياء ابن وثاب والأعمش وأهل مكة ورويت عن أبي عمرو ، وباقي الآية بين . قوله عزّ وجل :

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 31 إلى 32 ]

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 ) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 ) الرؤية في قوله
أَ لَمْ تَرَ
رؤية العين يتركب عليها النظر والاعتبار ، والمخاطب محمد صلى اللّه عليه وسلم والمراد الناس أجمع ، و
الْفُلْكَ
جمع وواحد بلفظ واحد ، وقرأ موسى بن الزبير « الفلك » بضم اللام ، وقوله
بِنِعْمَتِ اللَّهِ
يحتمل أن يريد ما تحمله السفن من الطعام والأرزاق والتجارات ، فالباء للأرزاق ، ويحتمل أن يريد الريح وتسخير اللّه البحر ونحو هذا ، فالباء باء السبب ، وقرأ الجمهور « بنعمة » ، وقرأ الأعرج ويحيى بن يعمر « بنعمات » على الجمع ، وقرأ ابن أبي عبلة « بنعمات » بفتح النون وكسر العين ، وذكر تعالى من صفة المؤمن « الصبار » و « الشكور » لأنهما عظم أخلاقه الصبر على الطاعات وعلى النوائب وعلى الشهوات ، والشكر على الضراء والسراء ، وقال الشعبي الصبر نصف الإيمان والشكر نصفه الآخر ، واليقين الإيمان كله . و « غشي » غطى ، أو قارب ، و « الظلل » السحاب ، وقرأ محمد بن الحنفية « الظلال » ومنه قول النابغة الجعدي يصف البحر : [ الوافر ]
يماشيهن أخضر ذو ظلال * على حافاته فلق الدنان
ووصف تعالى في هذه الآية حالة البشر الذين لا يعتبرون حق العبرة ، والقصد بالآية تبيين آية تشهد العقول بأن الأوثان والأصنام لا شرك لها فيه ولا مدخل وقوله تعالى :
فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
قال الحسن منهم مؤمن يعرف حق اللّه تعالى في هذه النعم . وقال مجاهد : يريد
فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
على كفره أي منهم من يسلم اللّه ويفهم نحو هذا من القدرة وإن ضل في الأصنام من جهة أنه يعظمها بسيرته ونشأته ، والختّار القبيح الغدر وذلك أن نعم اللّه تعالى على
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 355 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى