جعلوهم شركاء من يفعل شيئا من ذلك ، وهذا الترتيب ب
ثُمَّ
هو في الآحاد شيئا بعد شيء ، ومن هنا أدخل الفقهاء الولد مع أبيه في تعقب الأحباس إذا كان اللفظ على أعقابهم ثم على أعقاب أعقابهم ، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالتهم في الإشراك ، وقرأ الجمهور « يشركون » بالياء من تحت ، وقرأ الأعمش وابن وثاب بالتاء من فوق ، ثم ذكر تعالى على جهة العبرة ما ظهر من الفساد بسبب المعاصي في قوله
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
، واختلف الناس في معنى
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
في هذه الآية ، فقال مجاهد « البر » البلاد البعيدة من البحر ، و « البحر » السواحل والمدن التي على ضفة البحر والأنهار الكبار ، وقال قتادة « البر » الفيافي ومواضع القبائل وأهل الصحاري ، و « البحر » المدن جمع بحرة .
قال الفقيه الإمام القاضي : ومنه قول سعد بن عبادة للنبي صلى اللّه عليه وسلم في شأن عبد اللّه بن أبي ابن سلول الحديث ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوجوه ، ومما يؤيد هذا أن عكرمة قرأ « في البر والبحور » ، ورويت عن ابن عباس ، وقال مجاهد أيضا : ظهور الفساد في البر قتل أحد ابني آدم لأخيه ، وفي البحر أخذ السفن غضبا ، وقال بعض العباد
الْبَرِّ
اللسان و
الْبَحْرِ
القلب ، وقال الحسن بن أبي الحسن
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
هما المعروفان المشهوران في اللغة .
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا هو القول الصحيح وظهور الفساد فيهما هو بارتفاع البركات ونزول رزايا وحدوث فتن وتغلب عدو كافر ، وهذه الثلاثة توجد في البر والبحر ، قال ابن عباس : الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم وقلما توجد أمة فاضلة مطيعة مستقيمة الأعمال إلا يدفع اللّه عنها هذه ، والأمر بالعكس في أهل المعاصي وبطر النعمة ، وكذلك كان أمر البلاد في وقت مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم قد كان الظلم عم الأرض برا وبحرا ، وقد جعل اللّه هذه الأشياء ليجازي بها على المعاصي فيذيق الناس عاقبة إذنابهم لعلهم يتوبون ويراجعون بصائرهم في طاعة اللّه تعالى ، وقوله تعالى :
بِما كَسَبَتْ
تقديره جزاء ما كسبت ، ويحتمل أن تتعلق الباء ب
ظَهَرَ
أي كسبهم المعاصي في البر والبحر هو نفس الفساد الظاهر ، والترجي في « لعل » هو بحسب معتقداتنا وبحسب نظرنا في الأمور ، وقرأ عامة القراء والناس « ليذيقهم » بالياء ، وقرأ قنبل عن ابن كثير والأعرج وأبو عبد الرحمن السلمي « لنذيقهم » بالنون ومعناهما بين ، وقرأ أيضا أبو عبد الرحمن « لتذيقهم » بالتاء من فوق .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 42 إلى 44 ]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ( 42 ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ( 43 ) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 )
هذا تنبيه لقريش وأمر لهم بالاعتبار فيمن سلف من الأمم وفي سوء عواقبهم بكفرهم وإشراكهم ، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بإقامة وجهه ، والمعنى اجعل قصدك ومسعاك للدين أي لطريقه ولأعماله واعتقاداته ، و
الْقَيِّمِ
أصله قيوم اجتمعت الواو والياء وسبقت الياء وهي ساكنة فأبدلت الواو ياء وأدغمت