تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
معناه أعوانا ، وقال لضحاك : أعداء ، وقال ابن زيد : بلاء ، وقيل غير هذا مما لفظ القرآن أعم منه وأجمع للمعنى المقصود ، والضد هنا مصدر وصف به الجمع كما يوصف به الواحد ، وحكى الطبري عن أبي نهيك أنه قرأ « كل » بالرفع ورفعها بالابتداء ، وقوله
أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ
الآية ، الرؤية في الآية رؤية القلب ، و
أَرْسَلْنَا
معناه سلطنا أو لم نحل بينهم وبينهم فكله تسليط وهو مثل قوله نقيض له شيطانا وتعديته ب
عَلَى
دال على أنه تسليط ، و
تَؤُزُّهُمْ
معناه تغليهم وتحركهم إلى الكفر والضلال قال قتادة تزعجهم إزعاجا ، قال ابن زيد : تشليهم أشلاء ومنه أزير القدر وهو غليانه وحركته ومنه الحديث أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « فوجدته يصلي وهو يبكي ولصدره أزيز كأزيز المرجل » وقوله
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ
أي لا تستبطئ عذابهم وتحب تعجيله ، وقوله
نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا
أي مدة نعمتهم وقبيح أعمالهم لنصيرهم إلى العذاب إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة ، قال ابن عباس : نعد أنفاسهم . قال القاضي أبو محمد : وما تضمنته هذه الألفاظ من الوعيد بعذاب الآخرة هو العامل في قوله
يَوْمَ
ويحتمل أن يعمل فيه لفظ مقدر تقديره واذكر أو احذر ونحو هذا ، و « الحشر » الجمع ، وقد صار في عرف ألفاظ الشرع البعث من القبور ، وقرأ الحسن يوم « يحشر المتقون ويساق المجرمون » ، وروي عنه « ويسوق المجرمين » بالياء . و « المتقون » هم المؤمنون الذين قد غفر لهم ، وظاهر هذه الوفادة أنها بعد انقضاء الحساب ، وإنما هي النهوض إلى الجنة ، وكذلك سوق المجرمين إنما هو لدخول النار . و
وَفْداً
قال المفسرون معناه ركبانا وهي عادة الوفود لأنهم سراة الناس وأحسنهم شكلا فشبه أهل الجنة بأولئك لا أنهم في معنى الوفادة إذ هو مضمن الانصراف ، وإنما المراد تشبيههم بالوفد هيئة وكرامة ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنهم يجيئون ركبانا على النوق المحلاة بحلية الجنة خطمها من ياقوت وزبرجد ونحو هذا ، وروي عن عمر بن قيس الملائي أنهم يركبون على تماثيل من أعمالهم الصالحة هي في غاية الحسن ، وروي « أنهم يركب كل أحد منهم ما أحب فمنهم من يركب الإبل ومن يركب الخيل ومن يركب السفن فتجيء عائمة بهم » ، وقد ورد في الضحايا أنها مطاياكم إلى الجنة ، وفي أكثر هذا بعد ، لكن ذكرناه بحسب الجمع للأقوال و « السوق » يتضمن هوانا لأنهم يحفزون من ورائهم ، و « الورد » العطاش قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن ، وهم القوم الذين يحتفزون من عطشهم لورود لماء ، ويحتمل أن يكون المصدر المعنى نوردهم
وِرْداً
وهكذا يجعله من رأى في القرآن أربعة أوراد في النار وقد تقدم ذكر ذلك في هذه السورة ، واختلف المتأولون في الضمير في قوله
يَمْلِكُونَ
فقالت فرقة : هو عائد على المجرمين ، أي
لا يَمْلِكُونَ
أن يشفع لهم ولا سبيل لهم إليها ، وعلى هذا التأويل فهم المشركون خاصة ، ويكون قوله
إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
استثناء منقطعا ، أي لكن من اتخذ عهدا يشفع له ، والعهد على هذا الإيمان قال ابن عباس : العهد لا إله إلا اللّه . وفي الحديث « يقول اللّه تعالى يوم القيامة من كان له عندي عهد فليقم » وفي الحديث « خمس صلوات كتبهن اللّه على العباد فمن جاء بهن تامة كان له عند اللّه عهد أن يدخل الجنة » . والعهد أيضا الإيمان وبه فسر قوله
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
[ البقرة : 124 ] ويحتمل أن يكون « المجرمون » يعم الكفرة والعصاة ثم أخبر أنهم
لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ
إلا العصاة المؤمنون فإنهم يشفع فيهم فيكون الاستثناء متصلا ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا أزال أشفع حتى أقول يا رب شفعني