تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
الأحبار : ولم تحرق النار إلا الحبل الذي أوثقوه به ، وجعل ذلك آية وعبرة ودليلا على وحدانيته لمن شرح صدره ويسره للإيمان أي هذا الصنف ينتفع بالآية والكفار هي عليهم عمى وإن كانت في نفسها آية للكل ، ثم ذكر تعالى أن إبراهيم عليه السلام قررهم على أن اتخاذهم الأوثان والأنصاب إنما كان اتباعا من بعضهم لبعض وحفظا لموداتهم ومحباتهم الدنياوية ، وأنهم يوم القيامة يجحد بعضهم بعضا ويتلاعنون لأن توادهم كان على غير تقوى ، والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ، وقرأ عاصم في رواية الأعمش عن أبي بكر عنه « مودة » بالرفع « بينكم » بالنصب وهي قراءة الحسن وأبي حيوة . وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي في رواية المفضل « مودة » بترك التنوين والرفع « بينكم » بالخفض ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية أبي زيد « مودة بينكم » بالتنوين والنصب ونصب « بين » ، وقرأ حمزة « مودة » بالنصب وترك التنوين والإضافة إلى « بين » ، فأما قراءتا الرفع في « مودة » فوجههما أن يكون « ما » بمعنى الذي وفي قوله
اتَّخَذْتُمْ
ضمير عائد على الذي ، وهذا الضمير هو مفعول أول ل
اتَّخَذْتُمْ
، و
أَوْثاناً
مفعول ثان ، و « مودة » خبر « إن » في قراءة من نونها ، وفي قراءة من لم ينونها ويجوز أن تكون « ما » كافة ولا يكون في قوله
اتَّخَذْتُمْ
ضمير ويكون قوله
أَوْثاناً
مفعولا لقوله
اتَّخَذْتُمْ
ثم يقتصر عليه ، ويقدر الثاني آلهة أو نحوه ، كما يقدر قوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
[ الأعراف : 152 ] أي إلها
سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ
[ الأعراف : 152 ] ، ويكون قوله « مودة » خبر ابتداء تقديره هو مودة وفي هذه التأويلات مجاز واتساع في تسمية الأوثان « مودة » أو يكون ذلك على حذف مضاف ، وأما من نصب مودة فعلى أن « ما » كافة وعلى خلو
اتَّخَذْتُمْ
من الضمير والاقتصار على المفعول الواحد كما تقدم ويكون نصب « المودة » على المفعول من أجله ، ومن أضاف « المودة » إلى « البين » في القراءتين بالنصب والرفع تجوز في ذلك وأجرى الظرف مجرى الأسماء ، ومن نصب « بينكم » في قراءتي الرفع والنصب في « مودة » فكذلك يحتمل أن ينتصب انتصاب الظروف ويكون معلقا ب « مودة » وكذلك
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
ظرف أيضا متعلق ب « مودة » وهو مصدر عمل في ظرفين من حيث افترقا بالمكان والزمان ولو كانا لواحد منهما لم يجز ذلك ، تقول رأيت زيدا أمس في السوق ولا تقول رأيت زيدا أمس البارحة اللهم إلا أن يكون أحد الظرفين جزءا للآخر ، رأيت زيدا أمس عشية ، ويجوز أن ينتصب « بينكم » على أنه صفة ل « مودة » ، فهنا محذوف مقدر تقديره « مودة » ثابتة « بينكم » ، وفي الظرف ضمير عائد على « مودة » لما حذفت ثابتة استقر الضمير في الظرف نفسه ، وقوله
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
ظرف في موضع الحال من الضمير الكائن في
بَيْنِكُمْ
بعد حذف ثابتة فهذه الحال متعلقة ب « مودة » وجاز تعلقها بها ، وهي قد وصفت لأن معنى الفعل فيها ، وإن وصفت فلا يمتنع أن يعمل معنى الفعل إلا في المفعول ، فأما في الظرف والحال فيعمل ، قال مكي : ويجوز أن يكون
فِي الْحَياةِ
صفة ثابتة ل « مودة » ويكون فيها مقدر مستقرة وفيها ضمير ثان عائد إلى « مودة » فالتقدير على هذا مودة ثابتة بينكم مستقرة في الحياة الدنيا . قال القاضي أبو محمد : ويصح أن يكون قوله « مودة » في قراءة من نصب مفعولا ثانيا لقوله
اتَّخَذْتُمْ
ويكون في ذلك اتساع فتأمله ، وفي مصحف أبي بن كعب « مودة بينهم » بالهاء وفي مصحف ابن مسعود « إنما مودّة بينكم » .