دخل عليه وهو يجود بنفسه فقال له : « أي عم قل لا إله إلا اللّه كلمة أشهد لك بها عند اللّه » ، وكان بحضرته عبد اللّه بن أبي أمية وأبو جهل بن هشام فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب يا أبا طالب ؟ فقال أبو طالب : يا محمد لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك ، ثم قال أبو طالب : أنا على ملة عبد المطلب والأشياخ ، فتفجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخرج عنه فمات أبو طالب على كفره فنزلت هذه الآية ، قال أبو روق : قوله تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
، إشارة إلى العباس ، والضمير في قوله
وَقالُوا
لقريش ، قال ابن عباس والمتكلم بذلك فيهم الحارث بن نوفل وقصد الإخبار بأن العرب تنكر عليهم رفض الأوثان وفراق حكم الجاهلية فتخطفهم من أرضهم ، وقوله و
الْهُدى
معناه على زعمك ، وحكى الثعلبي أنه قال له إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك تخطفنا العرب فقطعهم اللّه تعالى بالحجة ، أي أليس كون الحرم لكم مما يسرناه وكففنا عنكم الأيدي فيه فكيف بكم لو أسلمتم واتبعتم ديني وشرعي ، وروي عن أبي عمرو « نتخطف » بضم الفاء ، و « أمن الحرم » هو أن لا يغزى ولا يؤذى فيه أحد ، وقوله تعالى
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ
أي تجمع وتجلب ، وقرأ نافع وحده « تجبى » بالتاء من فوق ، وقرأ الباقون « يجبى » بياء من تحت ، ورويت التاء من فوق عن أبي عمرو وأبي جعفر وشيبة بن نصاح ، وقوله تعالى :
كُلِّ شَيْءٍ
، يريد مما به صلاح حالهم وقوام أمرهم ، وليس العموم فيه على الإطلاق ، وقرأ أبان بن تغلب « ثمرات » بضم الثاء والميم ، ثم توعد تعالى قريشا بضرب المثل بالقرى المهلكة ، أي فلا تغتروا بالحرم والأمن والثمرات التي تجبى ، فإن اللّه تعالى يهلك الكفرة على ما سلف في الأمم ، و
بَطِرَتْ
معناه سفهت وأشرت وطغت قاله ابن زيد وغيره ، و
مَعِيشَتَها
نصب على التفسير مثل قوله
سَفِهَ نَفْسَهُ
[ البقرة : 130 ] وقال الأخفش هو إسقاط حرف الجر أي
بَطِرَتْ
في
مَعِيشَتَها
ثم أحالهم على الاعتبار في خراب ديار الأمم المهلكة كحجر ثمود وغيره وباقي الآية بين .
قوله عزّ وجل :
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 59 إلى 61 ]
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 )
إن كانت الإرادة ب
الْقُرى
المدن التي في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ف « أم القرى » مكة ، وإن كانت الإرادة
الْقُرى
بالإطلاق في كل زمن ف
أُمِّها
في هذا الموضع أعظمها وأفضلها الذي هو بمثابة مكة في عصر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإن كانت أم القرى كلها أيضا من حيث هي أول ما خلق من الأرض ومن حيث فيها البيت ، ومعنى الآية أن اللّه تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب إلا بعد نذارة وبعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان ، و « الظلم » هنا يجمع الكفر والمعاصي والتقصير في الجهاد وبالجملة وضع الباطل موضع الحق ، ثم خاطب تعالى قريشا محقرا لما كانوا يفخرون به من مال