تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
ثم ذكر تعالى الآية في
اللَّيْلَ
وكونه وقت سكون واتداع لجميع الحيوان والمهم من ذلك بنو آدم ، وكون
النَّهارَ مُبْصِراً
أي ذا إبصار ، وهذا كما تقول ليل قائم ونهار صائم ، ومعنى ذلك يقام فيه ويصام ، فكذلك هذا ، معناه يبصر فيه فهو لذلك ذو إبصار ، ثم تجوز بأن قيل
مُبْصِراً
فهو على النسب كعيشة راضية ، و « الآيات » في ذلك هي للمؤمنين والكافرين ، هي آية لجميعهم في نفسها ، لكن من حيث الانتفاع بها والنظر النافع إنما هو للمؤمنين فلذلك خصوا بالذكر ، ثم ذكر تعالى يوم
يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
، وهو القرن في قول جمهور الأمة ، وهو مقتضى الأحاديث ، وقال مجاهد : هو كهيئة البوق ، وقالت فرقة : « الصور » جمع صورة كتمرة وتمر وجمرة وجمر والأول أشهر ، وفي الأحاديث المتداولة أن إسرافيل عليه السلام هو صاحب « الصور » وأنه قد جثا على ركبته الواحدة وأقام الأخرى وأمال خده والتقم القرن ينتظر متى يؤذن له في النفخ ، وهذه النفخة المذكورة في هذه الآية هي نفخة الفزع ، وروى أبو هريرة أن الملك له في الصور ثلاث نفخات : نفخة الفزع وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر ، ونفخة الصعق ، ونفخة القيام من القبور ، وقالت فرقة إنما هي نفختان كأنهم جعلوا الفزع والصعق في نفخة واحدة ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
[ الزمر : 68 ] وقالوا : أخرى لا يقال إلا في الثانية . قال القاضي أبو محمد : والقول الأول أصح ، و
أُخْرى
[ الزمر : 68 ] يقال في الثالثة ومنه قول ربيعة بن مكدم : [ الكامل ] « ولقد شفعتهما بآخر ثالث » ومنه قوله تعالى :
وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
[ النجم : 20 ] . وأما قول الشاعر : [ مجزوء الكامل ]
جعلت لها عودين من * نشم وآخر من ثمامة
فيحتمل أن يريد به ثانيا وثالثا فلا حجة فيه ، وقال تعالى :
فَفَزِعَ
وهو أمر لم يقع بعد إشعارا بصحة وقوعه وهذا معنى وضع الماضي موضع المستقبل ، وقوله تعالى :
إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
استثناء فيمن قضى اللّه تعالى من ملائكته وأنبيائه وشهداء عبيده أن لا ينالهم فزع النفخ في الصور ، قال أبو هريرة : هي في الشهداء ، وذكر الرماني أنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال مقاتل : هي في جبريل عليه السلام وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، وإذا كان الفزع الأكبر لا ينالهم فهم حريون أن لا ينالهم هذا . قال القاضي أبو محمد : على أن هذا في وقت ترقب وذلك في وقت أمن إذ هو إطباق جهنم على أهلها ، وقرأ جمهور القراء « وكل آتوه » على وزن فاعلوه ، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم « أتوه » على صيغة الفعل الماضي وهي قراءة ابن مسعود وأهل الكوفة ، وقرأ قتادة « أتاه » على الإفراد اتباعا للفظ « كل » وإلى هذه القراءة أشار الزجاج ولم يذكرها ، و « الداخر » المتذلل الخاضع ، قال ابن زيد وابن عباس : « الداخر » الصاغر ، وقرأ الحسن « دخرين » بغير ألف ، وتظاهرت الروايات بأن الاستثناء في هذه الآية إنما أريد به الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وهم أهل للفزع لأنهم بشر لكن فضلوا بالأمن في ذلك اليوم .