تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
التي لولا قدرة اللّه تعالى لغلب الملح العذب وكل ما مضى من القول في تأويل في قوله
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
[ الفرقان : 53 ] فهو مترتب هاهنا وباقي الآية بين . قوله عزّ وجل :

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 62 إلى 66 ]

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 ) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 65 ) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ ( 66 ) وقفهم في هذه الآية على المعاني التي تبين لكل عاقل أنه لا مدخل لصنم ولا لوثن فيها وهي عبر ونعم ، فالحجة قائمة بها من الوجهين ، وقوله تعالى :
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
معناه بشرط إن شاء على المعتقد في الإجابة ، لكن
الْمُضْطَرَّ
لا يجيبه متى أجيب إلا اللّه عزّ وجل ، و
السُّوءَ
عام في كل ضر يكشفه اللّه تعالى عن عباده ، وقرأ الحسن « ويجعلكم » بياء على صيغة المستقبل ورويت عنه بنون ، وكل قرن خليف للذي قبله . وقرأ جمهور القراء « تذكرون » بالتاء على المخاطبة ، وقرأ أبو عمرو وحده والحسن والأعمش بالياء على الغيب ، و « الظلمات » عام لظلمة الليل التي هي الحقيقة في اللغة ولظلمة الجهل والضلال والخوف التي هي مجازات وتشبيهات وهذا كقول الشاعر : « تجلت عمايات الرجال عن الصبا » وكما تقول أظلم الأمر وأنار ، وقد تقدم اختلاف القراء في قوله
نَشْراً
، وقرأ الحسن وغيره ، « يشركون » بالياء على الغيبة ، وقرأ الجمهور « تشركون » على المخاطبة ، و « بدء الخلق » اختراعه وإيجاده ، و
الْخَلْقَ
هنا المخلوق من جميع الأشياء لكن المقصود بنو آدم من حيث ذكر الإعادة ، و « الإعادة » البعث من القبور ويحتمل أن يريد ب
الْخَلْقَ
مصدر خلق يخلق ويكون في
يَبْدَؤُا
وَيُعِيدُ
استعارة للإتقان والإحسان كما تقول فلان يبدي ويعيد في أمر كذا وكذا إذا كان يتقنه ، والرزق
مِنَ السَّماءِ
بالمطر ومن
الْأَرْضِ
بالنبات ، هذا مشهور ما يحسه البشر ، وكم للّه من لطف خفي ، ثم أمر عزّ وجل نبيه أن يوقفهم على أن
الْغَيْبَ
مما انفرد اللّه بعلمه ولذلك سمي غيبا لغيبه عن المخلوقين ، ويروى أن هذه الآية من قولهم
قُلْ لا يَعْلَمُ
، إنما نزلت لأن الكفار سألوا وألحوا عن وقت القيامة التي يعدهم محمد فنزلت هذه الآية فيها التسليم للّه تعالى وترك التحديد ، فأعلم عزّ وجل أنه لا يعلم وقت الساعة سواه فجاء
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 267 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى