والجمهور بالواو وكذلك في سائر المصاحف ، وأمره اللّه تعالى بالتوكل عليه في كل أمره ، ثم جاء بالصفات التي تؤنس المتوكل وهي العزة والرحمة المذكورتان في أواخر قصص الأمم المذكورة في هذه السورة ، وضمنها نصر كل نبي على الكفرة والتهمم بأمره والنظر إليه ، وقوله
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ
،
يَراكَ
عبارة عن الإدراك ، وظاهر الآية أراد قيام الصلاة ، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات وهو تأويل مجاهد وقتادة ، وقوله
فِي السَّاجِدِينَ
قيل يريد أهل الصلاة أي صلاتك مع المصلين ، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما ، وقال أيضا مجاهد يريد تقلبك أي تقليبك عينك وأبصارك الساجدين حين تراهم من وراء ظهرك .
قال القاضي أبو محمد : وهذا معنى أجنبي هنا ، وقال ابن عباس أيضا وقتادة أراد تقلبك في المؤمنين فعبر عنهم ب
السَّاجِدِينَ
، وقال ابن جبير أراد الأنبياء أي تقلبك كما تقلب غيرك من الأنبياء ، وقوله تعالى :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ
معناه قل لهم يا محمد هل أخبركم
عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ
وهذا استفهام توقيف وتقرير ، و « الأفاك » الكذاب ، و « الأثيم » الآثم . ويريد الكهنة لأنهم كانوا يتلقون من الشياطين الكلمة الواحدة التي سمعت من السماء ، فيخلطون معها مائة كذبة ، فإذا صدقت تلك الكلمة كانت سبب ضلالة لمن سمعها ، وقوله
يُلْقُونَ
يعني الشياطين ، ويقتضي ذلك أن الشيطان المسترق أيضا كان يكذب إلى ما سمع هذا في الأكثر ، ويحتمل الضمير في
يُلْقُونَ
أي يكون للكهنة فإفكهم وحالهم التي تقتضي نفي كلامهم عن كلام كتاب اللّه عقب ذلك بذكر
الشُّعَراءُ
وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن ، إذ قال في القرآن بعض الكفرة إنه شعر ، وهذه الكناية هي عن شعراء الجاهلية ، حكى النقاش عن السدي أنها في ابن الزبعرى وأبي سفيان بن الحارث وهبيرة بن أبي وهب ومسافع الجمحي وأبي عزة وأمية بن أبي الصلت .
قال القاضي أبو محمد : والأولان ممن تاب رضي اللّه عنهما ، ويدخل في الآية كل شاعر مخلط يهجو ويمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور ، وقرأ نافع « يتبعهم » بسكون التاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنه ، وقرأ الباقون بشد التاء وكسر الباء ، واختلف الناس في قوله
الْغاوُونَ
، فقال ابن عباس هم الرواة وقال ابن عباس أيضا هم المستحسنون لأشعارهم المصاحبون لهم ، وقال عكرمة هم الرعاع الذين يتبعون الشاعر ويتغنمون إنشاده وهذا أرجح الأقوال ، وقال مجاهد وقتادة
الْغاوُونَ
الشياطين ، وقوله
فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ
عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث الكلام وباطله وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن قاله ابن عباس وغيره ، وقوله ،
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
، ذكر لتعاطيهم وتعمقهم في مجاز الكلام حتى يؤول إلى الكذب ، وفي هذا اللفظ عذر لبعضهم أحيانا فإنه يروى أن النعمان بن عدي لما ولاه عمر بن الخطاب ميسان وقال لزوجته الشعر المشهور عزله عمر فاحتج عليه بقوله تعالى :
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
فدرأ عنه عمر الحد في الخمر ، وروى جابر ابن عبد اللّه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال من مشى سبع خطوات في شعر كتب من الغاوين ذكره أسد بن موسى وذكره النقاش .
قوله عزّ وجل :