تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
قوله عزّ وجل :

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 20 إلى 28 ]

قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 ) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 22 ) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) القائل هنا هو موسى عليه السلام والضمير في قوله
فَعَلْتُها
لقتله القبطي ، وقوله
إِذاً
صلة في الكلام وكأنها بمعنى حينئذ ، وقوله
وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
قال ابن زيد معناه من الجاهلين بأن وكزتي إياه تأتي على نفسه ، وقال أبو عبيدة معناه من الناسين لذلك ، ونزع بقوله تعالى أن تضل إحداهما ، وفي قراءة عبد اللّه بن مسعود وابن عباس « وأنا من الجاهلين » ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير ، وقوله
حُكْماً
يريد النبوة وحكمتها ، وقرأ عيسى « حكما » بضم الحاء والكاف ، وقوله
وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ
درجة ثانية للنبوة فرب نبي ليس برسول ، ثم حاجه عليه السلام في منه عليه بالتربية وترك القتل بقوله
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ
، واختلف الناس في تأويل هذا الكلام ، فقال قتادة هذا منه على جهة الإنكار عليه أن تكون نعمة كأنه يقول أو يصح لك أن تعتمد على نعمة ترك قتلي من أجل أنك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم ، أي ليست نعمة لأن الواجب كان ألا يقتلني وألا تقتلهم ولا تستعبدهم بالقتل والخدمة وغير ذلك ، وقرأ الضحاك « وتلك نعمة ما لك أن تمنها » ، وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل ، وقال الأخفش قيل ألف الاستفهام محذوفة والمعنى « أو تلك » وهذا لا يجوز إلا إذا عادلتها أم كما قال « تروح من الحي أم تبتكر » . قال القاضي أبو محمد : وهذا القول تكلف ، قول موسى عليه السلام تقرير بغير ألف وهو صحيح كما قال قتادة واللّه المعين ، وقال السدي والطبري هذا الكلام من موسى عليه السلام على جهة الإقرار بالنعمة ، كأنه يقول وتربيتك نعمة علي من حيث عبدت غيري وتركتني ولكن ذلك لا يدفع رسالتي . قال القاضي أبو محمد : ولكل وجه ناحية من الاحتجاج فالأول ماض في طريق المخالفة لفرعون ونقض كلامه كله ، والثاني مبد من موسى عليه السلام أنه منصف من نفسه معترف بالحق ، ومتى حصل أحد المجادلين في هذه الرتبة وكان خصمه في ضدها غلب المتصف بذلك وصار قوله أوقع في النفوس ، ولما لم يجد فرعون في هذا الطريق من تقريره على التنزيه وغير ذلك حجة رجع إلى معارضة موسى في قوله « رسول رب العالمين » فاستفهمه استفهاما عن مجهول من الأشياء قال مكي كما يستفهم عن الأجناس ، فلذلك استفهم ب
ما
وقد ورد له استفهام « بمن » في موضع آخر ، ويشبه أنها مواطن ، فأتى موسى عليه السلام بالصفات التي تبين للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها وهي ربوبية السماوات والأرض ، وهذه