وقوله تعالى :
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ
. الآية وعيد بعذاب الدنيا والآخرة ، ويقوى أنه وعيد بعذاب الدنيا لأن ذلك قد نزل بهم كبدر وغيرها ، ولما كان إعراضهم عن النظر في الصانع والإله من أعظم كفرهم وكانوا يجعلون الأصنام آلهة ويعرضون عن الذكر في ذلك ، نبه على قدرة اللّه وأنه الخالق المنشئ الذي يستحق العبادة بقوله
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ
الآية ، و « الزوج » النوع والصنف ، و « الكريم » الحسن المتقن قاله مجاهد وقتادة ، ويراد الأشياء التي بها قوام الأمور والأغذية والنباتات ، ويدخل في ذلك الحيوان لأنه عن إنبات ومنه قوله تعالى :
وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
[ نوح : 17 ] . قال الشعبي الناس من نبات الأرض فمن صار إلى الجنة فهو كريم ومن صار إلى النار فبضد ذلك وقوله تعالى :
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
.
حتم على أكثرهم بالكفر ثم توعد تعالى بقوله :
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
. يريد عز في نقمته من الكفار ورحم مؤمني كل أمة ، وقال نحو هذا ابن جريج ، وفي لفظة
الرَّحِيمُ
وعد .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 10 إلى 19 ]
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ ( 11 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 )
قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ( 17 ) قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 19 )
التقدير واذكر
إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى
وسوق هذه القصة تمثيل لكفار قريش لتكذيبهم محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله
أَنِ ائْتِ
يجوز في
أَنِ
أن تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب بمنزلة أي ، ويجوز أن تكون غيرها وهي في موضع نصب بتقدير بأن ائت ، وقوله
أَ لا يَتَّقُونَ
معناه قل لهم فجمع في هذه العبارة من المعاني نفي التقوى عنهم وأمرهم بالتقوى ، وقرأ الجمهور « يتقون » بالياء من تحت ، وقرأ عبد اللّه بن مسلم وحماد بن سلمة وأبو قلابة « تتقون » بالتاء من فوق على معنى قل لهم ، ولعظيم نخوة فرعون وتألهه وطول مدته وما أشربت القلوب من مهابته قال عليه السلام
إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
. وقرأ جمهور الناس « ويضيق » بالرفع و « ينطلق » كذلك ، وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى ذلك بالنصب فيهما ، فقراءة الرفع هي إخبار من موسى بوقوع ضيق صدره وعدم انطلاق لسانه ، وبهذا رجح أبو علي هذه القراءة ، وقراءة النصب تقتضي أن ذلك داخل تحت خوفه وهو عطف على
يُكَذِّبُونِ
، وكان في خلق موسى عليه السلام حد وكان في لسانه حبسة بسبب الجمرة في طفولته ، وحكى أبو عمرو عن الأعرج أنه قرأ بنصب « ويضيق » وبرفع « ينطلق » ، وقد يكون عدم انطلاق اللسان بالقول لغموض المعاني التي تطلب لها ألفاظ محررة ، فإذا كان هذا في وقت ضيق صدر ولم ينطلق اللسان ، وقد قال موسى عليه السلام
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
[ طه : 27 ] فالراجح قراءة الرفع ، وقوله تعالى :
فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ
معناه يعينني ويؤازرني ، وكان هارون عليه السلام فصيحا واسع الصدر ، فحذف بعض المراد من القول إذ باقيه دال عليه ، ثم ذكر موسى خوفه