تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
قرأت فرقة « الرياح » ، وقرأت فرقة « الريح » على الجنس ، فهي بمعنى الرياح وقد نسبنا القراءة في سورة الأعراف وقراءة الجمع أوجه لأن عرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب ، ومتى كانت للمطر والرحمة فإنما هي رياح ، لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب وتتفرق وتأتي لينة من هاهنا وهاهنا ، وشيئا إثر شيء ، وريح العذاب خرجت لا تتداءب وإنما تأتي جسدا واحدا ، ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه ، قال الرماني جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح الجنوب والصبا والشمال وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور . قال القاضي أبو محمد : يرد على هذا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا هبت الريح اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ، واختلف القراء في « النشر » ، في النون والباء وغير ذلك اختلافا قد ذكرناه في سورة الأعراف ، و
نَشْراً
معناه منتشرة متفرقة و « الطهور » بناء مبالغة في طاهر وهذه المبالغة اقتضته في ماء السماء وفي كل ما هو منه وبسبيله أن يكون طاهرا مطهرا وفيما كثرت فيه التغايير ، كماء الورد وعصير العنب أن يكون طاهرا ولا مطهرا ، ووصف « البلدة » ب « الميت » لأنه جعله كالمصدر الذي يوصف به المذكر والمؤنث وجاز ذلك من حيث البلدة بمعنى البلد ، وقرأ طلحة بن مصرف « لننشئ به بلدة ونسقيه » بضم النون وهي قراءة الجمهور ومعناه نجعله لهم سقيا ، هذا قول بعض اللغويين في أسقى قالوا وسقى معناه للشفة ، وقال الجمهور سقى وأسقى بمعنى واحد وينشد على ذلك بيت لبيد : [ الوافر ]
سقى قومي بني نجد وأسقى * نميرا والقبائل من هلال
وقرأ أبو عمرو « ونسقيه » بفتح النون وهي قراءة ابن مسعود وابن أبي عبلة وأبي حيوة ، ورويت عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ،
وَأَناسِيَّ
، قيل هو جمع إنسان والياء المشددة بدل من النون في الواحد قاله سيبويه ، وقال المبرد هو جمع إنسي وكان القياس أن يكون أناسية كما قالوا في مهلبي ومهالبة ، وحكى الطبري عن بعض اللغويين في جمع إنسان أناسين بالنون كسر حان وبستان ، وقرأ يحيى بن الحارث « أناسي » بتخفيف الياء ، والضمير في
صَرَّفْناهُ
قال ابن عباس ومجاهد هو عائد على الماء المنزل من السماء ، المعنى أن اللّه تعالى جعل إنزال الماء تذكرة بأن يصرفه عن بعض المواضع إلى بعض المواضع وهذا كله في كل عام بمقدار واحد ، وقاله ابن مسعود ، وقوله على هذا التأويل
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
أي في قولهم بالأنواء والكواكب قاله عكرمة ، وقيل
كُفُوراً
على الإطلاق لما تركوا التذكر ، وقال ابن عباس الضمير في
صَرَّفْناهُ
للقرآن وإن كان لم يتقدم له ذكر لوضوح الأمر ويعضد ذلك قوله بعد ذلك ،
وَجاهِدْهُمْ بِهِ
، وعلى التأويل الأول الضمير في
بِهِ
يراد به القرآن على نحو ما ذكرناه ، وقال ابن زيد يراد به الإسلام ، وقرأ عكرمة « صرفنا » بتخفيف الراء ، وقرأ حمزة والكسائي والكوفيون « ليذكروا »