مشهور ، ذكره ابن إسحاق في السير وغيره ، مضمنة أن سادتهم عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا يا محمد إن كنت تحب الرئاسة وليناك علينا ، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا ، فلما أبى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجعوا في باب الاحتجاج عليه فقالوا له ما بالك وأنت رسول اللّه تأكل الطعام وتقف بالأسواق وتريد التماس الرزق ، أي إن من كان رسول اللّه مستغن عن جميع ذلك ، ثم قالوا له سل ربك أن ينزل معك ملكا ينذر معك أو يلقي إليك كنزا تنفق منه ، أو يرد لك جبال مكة ذهبا أو تزال الجبال ويكون مكانها جنات تطرد فيها المياه ، وأشاعوا هذه المحاجة فنزلت الآية وكتبت اللام مفردة من قولهم « ما ل » هذا إما لأن على المصحف قطع لفظه فاتبعه الكاتب ، وإما لأنهم رأوا أن حروف الجر بابها الانفصال نحو « في ومن وعلى وعن » . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر « يأكل منها » بالياء ، وقرأ حمزة والكسائي « نأكل منها » بالنون وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف وسليمان بن مهران ، ثم أخبر تعالى عنهم وهم
الظَّالِمُونَ
الذين أشير إليهم أنهم قالوا حين يئسوا من محمد صلى اللّه عليه وسلم
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
أي قد سحر فهو لا يرى مراشده ، ويحتمل
مَسْحُوراً
أن يكون من السحر وهي الرؤية فكأنهم ذهبوا إلى تحقيره ، أي رجلا مثلكم في الخلقة ، ذكره مكي وغيره ، ثم نبّهه اللّه تعالى مسليا عن مقالتهم فقال
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
بالمسحور والكاهن والساحر وغيره
فَضَلُّوا
أي أخطئوا الطريق فلا يجدون سبيل هداية ولا يطيقونه لالتباسهم بضده من الضلال ، وقوله تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي
الآية رجوع بأمور محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى اللّه تعالى ، أي هذه جهتك لا هؤلاء الضالون في أمرك ، والإشارة في ذلك قال مجاهد هي إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا ، وقال ابن عباس هي إلى أكله الطعام ومشيه في الأسواق ، وقال الطبري والأول أظهر .
قال القاضي أبو محمد : لأن هذا التأويل الثاني يوهم أن الجنّات والقصور التي في هذه الآية هي في الدنيا وهذا تأويل الثعلبي وغيره ، ويرد ذلك قوله تعالى بعد ذلك
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ
[ الفرقان : 11 ] والكل محتمل ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحفص ونافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي « ويجعل » بالجزم على العطف على موضع الجواب في قوله
جَعَلَ
لأن التقدير « تبارك الذي إن يشأ يجعل » . وقرأ أبو بكر عن عاصم أيضا وابن كثير وابن عامر « ويجعل » بالرفع والاستئناف ، وهي قراءة مجاهد ، ووجوه العطف على المعنى في قوله
جَعَلَ
لأن جواب الشرط هو موضع الاستئناف ، ألا ترى أن الجمل من الابتداء والخبر قد تقع موقع جواب الشرط ، وقرأ عبد اللّه بن موسى وطلحة بن سليمان « ويجعل » بالنصب وهو على تقدير « أن » في صدر الكلام ، قال أبو الفتح هي على جواب الجزاء بالواو وهي قراءة ضعيفة ، وأدغم الأعرج
وَيَجْعَلْ لَكَ
وروي ذلك عن ابن محيصن ، و « القصور » البيوت المبنية بالجدرات قاله مجاهد وغيره ، وكانت العرب تسمي ما كان من الشعر والصوف والقصب بيتا ، وتسمي ما كان بالجدرات قصرا لأنه قصر عن الداخلين والمستأذنين .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 11 إلى 14 ]
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 )