أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه قال : زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة واتخذت جزعا فجعلت في ساقيها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية ، وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها ، ذكره الزجاج ، قال مكي رحمه اللّه ليس في كتاب اللّه آية أكثر ضمائر من هذه جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع ، وقرأ عبد اللّه بن مسعود « ليعلم ما سر من زينتهن » ، ثم أمر عزّ وجل بالتوبة مطلقة وقد قيد توبة الكفار بالإخلاص وبالانتهاء في آية أخرى ، وتوبة أهل الذمة بالتبيين ، يريد لأمر محمد عليه السلام وأمر بهذه التوبة مطلقة عامة من كل شيء صغير وكبير ، وقرأ الجمهور « أيّه » بفتح الهاء ، وقرأ ابن عامر « أيّه » بضم الهاء ووجهه أن تجعل الهاء كأنها من نفس الكلمة فيكون إعراب المنادى فيها ، وضعف أبو علي ذلك جدا ، وبعضهم يقف « أيه » وبعضهم يقف « أيها » بالألف ، وقوى أبو علي الوقف بالألف لأن علة حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على
مُحِلِّي
[ المائدة : 1 ] من قوله
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ
[ المائدة : 1 ] ، والاختلاف الذي ذكرناه في
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
كذلك هو في
أَيُّهَا السَّاحِرُ
[ الزخرف : 49 ] و
أَيُّهَ الثَّقَلانِ
[ الرحمن : 31 ] قوله عزّ وجل :
[ سورة النور ( 24 ) : آية 32 ]
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 32 )
وقوله تعالى :
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى
هذه المخاطبة لكل من تصور أن ينكح في نازلة ما ، فهم المأمورون بتزويج من لا زوج له وظاهر الآية أن المرأة لا تتزوج إلا بولي ، والأيم يقال للرجل وللمرأة ومنه قول الشاعر :
« للّه در بني على أيم منهم وناكح » ، ولعموم هذا اللفظ قالت فرقة إن هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى :
وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
[ النور : 3 ] وقوله :
وَالصَّالِحِينَ
يريد للنكاح ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن « من عبيدكم » والجمهور على « عبادكم » والمعنى واحد إلا أن قرينة الترفيع بالنكاح يؤيد قراءة الجمهور ، وهذا الأمر بالإنكاح يختلف بحسب شخص شخص ، ففي نازلة يتصور وجوبه ، وفي نازلة الندب وغير ذلك وهذا بحسب ما قيل في النكاح ، ثم وعد اللّه تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طلب رضى اللّه عنهم واعتصاما من معاصيه ، وقال ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح ، وقال عمر رضي اللّه عنه عجبي ممن لا يطلب الغنى بالنكاح وقد قال تعالى :
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
، قال النقاش هذه الآية حجة على من قال إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرا لا يقدر على النفقة لأن اللّه قال
يُغْنِهِمُ
ولم يقل يفرق بينهما ، وهذا انتزاع ضعيف ، وليست هذه الآية حكما فيمن عجز عن النفقة وإنما هي وعد بالإغناء كما وعد به مع التفرق في قوله :
وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ
[ النساء : 13 ] ونفحات رحمة اللّه مأمولة في كل حال موعود بها ، وقوله :
واسِعٌ عَلِيمٌ
صفتان نحو المعنى الذي فيه القول أي
واسِعٌ
الفضل
عَلِيمٌ
بمستحق التوسعة والإغناء .