بالسيف ويؤخذ فيه بأشدّ ذلك لا بأيسره ؛ فإنه سلب غيلة « 1 » ، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة ، ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة ، فكان قصاصا ، ولم يدخل في قتل الغيلة ، وكان حدّا ، فتحرر « 2 » أن قطع السبيل موجب للقتل في أصح أقوالنا خلافا للشافعي وغيره .
فإن قيل : هذا لا يوجب إجراء الباغي بالفساد في الأرض خاصة مجرى الذي يضمّ إليه القتل وأخذ المال ، لعظيم الزيادة من أحدهما على الآخر .
والذي يدلّ على عدم التسوية بينهما أنّ الذي يضمّ إلى السعي بالفساد في الأرض القتل وأخذ المال يجب القتل عليه ، ولا يجوز إسقاطه عنه ، والذي ينفرد بالسعي « 3 » في إخافة السبيل خاصة يجوز ترك قتله ؛ يؤكّده أنّ المحارب إذا قتل قوبل بالقتل ، وإذا أخذ المال قطعت يده لأخذه المال ، ورجله لإخافته السبيل ، وهذه عمدة الشافعية علينا ، وخصوصا أهل خراسان مهم ، وهي باطلة لا يقولها مبتدئ .
أما قولهم : كيف يسوى بين من أخاف السبيل وقتل ، وبين من أخاف السبيل ولم يقتل ، وقد وجدت منه الزيادة العظمى ، وهي القتل ؟
قلنا : وما الذي يمنع من استواء الجريمتين في العقوبة وإن كانت إحداهما أفحش من الأخرى ؟ ولم أحلتم ذلك ؟ أعقلا فعلتم ذلك أم شرعا ؟
أما العقل فلا مجال له في هذا ، وإن عوّلتم على الشرع فأين الشرع ؟ بل قد شاهدنا ذلك في الشرع ؛ فإنّ عقوبة القاتل كعقوبة الكافر ، وإحداهما أفحش .
وأما قوله : لو استوى حكمهما لم يجز إسقاط الفتل عمن أخاف السبيل ولم يقتل ، كما لم يجز إسقاطه عمّن أخاف وقتل .
قلنا : هذه غفلة منكم ؛ فإن الذي يخيف ويقتل أجمعت الأمة على تعيّن القتل عليه ، فلم يجز مخالفته .
أما إذا أخاف ولم يقتل فهي مسألة مختلف فيها ومحلّ اجتهاد ، فمن أداه اجتهاده إلى القتل حكم به ، ومن أدّاه اجتهاده إلى إسقاطه أسقطه ؛ ولهذه النكتة قال مالك : وليستشر ليعلم الحقيقة من الإجماع والخلاف وطرق الاجتهاد لئلا يقدم على جهالة كما أقدمتم .
هامش
( 1 ) غيلة : في خفية واغتيال ؛ وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه منه أحد ( النهاية ) .
( 2 ) في ل : فيجوز . ونراه تحريفا .
( 3 ) في ل : بالبغي .