ولا تحقرنّ من المعروف شيئا ، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط ، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك ، وإن أحد سبّك بما يعلم منك فلا تسبّه بما تعلم فيه ؛ فإن اللّه جاعل لك أجرا وعليه وزرا ، ولا تسبّنّ شيئا مما خوّلك اللّه .
فوالذي نفسي بيده ما سببت بعده لا شاة ولا بعيرا .
المسألة السادسة - في صحيح البخاري ، عن ابن عباس قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة ، فنزل على ابن أخيه الجدّ بن قيس ، وكان من النفر الذي يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبّانا ، فقال عيينة لابن أخيه : يا بن أخي ؛ لك وجه عند هذا الأمير ؛ فاستأذن لي عليه : قال : سأستأذن لك .
قال ابن عباس : فاستأذن الجدّ لعيينة ، فأذن له عمر ، فلما دخل قال : هيه يا ابن الخطاب ، فو اللّه ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم فينا بالعدل . فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به ، فقال له :
العفو « 1 » يا أمير المؤمنين ، إن اللّه قال لنبيه :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
، وإن هذا من الجاهلين ، واللّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقّافا عند كتاب اللّه .
المسألة السابعة - في تنقيح الأقوال :
أما العفو فإنه عام في متنا ولاته ، ويصحّ أن يراد به خذ ما خفّ وسهل مما تعطى ، فقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقبل من الصدقة التمرة والقبضة والحبة والدرهم والسّمل « 2 » ، ولا يلمز شيئا من ذلك ولا يعيبه : ولقد كان يسقط من الحقوق ما يقبل الإسقاط حتى قالت عائشة في الصحيح : ما انتقم رسول اللّه لنفسه قطّ .
وأما الاحتمال فقد كان يصبر على الأذى ، ويحتمل الجفاء ، حتى
قال صلى اللّه عليه وسلم : يرحم اللّه موسى ، لقد أوذى بأكثر من هذا فصبر .
وأما مخالفة الناس فهو كان أقدر الخلق عليها وأولاهم بها ، فإنه كان يلقى كلّ أحد بما يليق به من شيخ وعجوز ، وصغير وكبير ، وبدوىّ وحضرىّ ، وعالم وجاهل ، ولقد كانت
هامش
( 1 ) في ل : فقال له الجد .
( 2 ) في ل : السبل . والسمل : الخلق من الثياب .