سورة الأنعام فيها ثمان عشرة آية
الآية الأولى - قوله تعالى « 1 » :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
.
فيها سبع مسائل :
المسألة الأولى - قوله تعالى :
وَعِنْدَهُ
:
اعلموا أنّا قد بيّنا هذه الآية في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين بما المقصود منه هاهنا أنّ « عنده » كلمة يعبّر بها عما قرب منك . وتحقيقه أن دنوّ الشيء من الشيء يقال فيه قريب « 2 » ، ونأيه عنه يقال فيه بعيد ، وأصله المكان في المساحة « 3 » ، تقول :
زيد منك ، وعمر وبعيد عنك .
ويوضع الفعل موضع الاسم ؛ فتقول : زيد قربك ، ثم ينقل إلى المكانة المعقولة غير المحسوسة ، فيقال : العلم منك قريب ، وعليه يتأوّل ما يخبر به عن الباري سبحانه من ذلك ، وبه يفسّر قوله سبحانه « 4 » :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
بعشرين معنى جائزة « 5 » على اللّه سبحانه ، مما يصحّ أن يوصف بها ويخبر عنه بمعناها على ما بيّنا في كتاب المشكلين .
وتقول : زيد قدّامك ، وعمر وراءك . فإذا قلت زيد قدّامك احتمل المسافة من لدن جسمه إلى ما لا ينحصر منتهاه قدما ، وكذلك وراءك ، فصغّروه إذا أرادوا قرب المسافة من المخبر عنه ، فقالوا : قديديمة « 6 » . وإذا أرادوا تخليص القرب بغاية الدنو قالوا : زيد عندك ، عبّروا به عن نهاية القرب ، ولذلك لم يصغّروه ، فيقولوا فيه عنيد .
وقد يعبّر بها أيضا عما في ملك الإنسان ، فيقال : عنده كذا وكذا ؛ أي في ملكه لأنّ
هامش
( 1 ) الآية التاسعة والخمسون .
( 2 ) في ل : قريب منه .
( 3 ) في ل : المسافة .
( 4 ) سورة البقرة ، آية 186 .
( 5 ) في ل : معتبرين معنى جائز .
( 6 ) تصغير قدام ( القاموس ) .