ودليلنا ما روى عن ابن عباس أنه قال : لا زكاة في العنبر ، إنما هو شيء يقذفه البحر ، ولأنه من فوائد البحر ، فلا يجب فيه حقّ - أصله السمك .
وهذا الفقه صحيح ؛ وذلك لأنّ البحر لم يكن في أيدي الكفرة فتجرى فيه الغنيمة ، وإنما هو من جملة المباح المطلق ، كالصيد .
فإن قيل : فما تقولون في ذهب يوجد في البحر ؟
قلنا : لا رواية فيه . ويحتمل أن يقال : إنه يجب ؛ لأن البحر ليس بمعدن للذهب ، فوجوده فيه يدلّ على أن السيول قذفته فيه .
وقال بعض الحنيفة : يحتمل ألا يجب فيه شيء ، لأن في البحر جبالا لا يد لأحد عليها .
الآية الثامنة والعشرون - قوله تعالى « 1 » :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
.
فيه تسع مسائل :
المسألة الأولى - قوله تعالى :
جَعَلَ اللَّهُ
: وهو يتصرف على ثلاثة أوجه :
الأول - بمعنى « 2 » سمّى ، ومنه قوله تعالى « 3 » :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
.
وقد بيناه في كتاب المشكلين بما ينبغي .
الثاني - بمعنى خلق ، كما ورد في القرآن كثيرا ، منها قوله سبحانه « 4 » :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
.
الثالث - بمعنى صيّر ، كقولك : جعلت المتاع بعضه على بعض .
وتحقيقه هاهنا خلق ثانيا وصفا لشيء مخلوق أولا ، وذلك أنه خلق الكعبة وجودا أولا ، ثم خلق فيها صفات ثانيا ، فخلق عام في الأول والثاني ، وجعل خاص في الثاني خبر عن الصفات التي فيها على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى .
المسألة الثانية - قوله تعالى :
الْكَعْبَةَ
:
هامش
( 1 ) الآية السابعة والتسعون .
( 2 ) أي جعل بمعنى سمى .
( 3 ) سورة الزخرف ، آية 3
( 4 ) سورة الأنعام ، آية 1 .