فإن قيل « 1 » : لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبرا ، في النعامة بدنة ، وفي الحمار بقرة ، وفي الظبي شاة لما أوقفه على عدلين يحكمان به ؛ لأنّ ذلك قد علم ، فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر ، وإنما يفتقر إلى العدول والحكم « 2 » ما يشكل الحال فيه ويضطرب وجه النظر عليه .
والجواب أنّ اعتبار الحكمين إنما وجب في حال المصيد من صغر وكبر ، وماله جنس مما لا جنس له ، وليعتبر ما وقع التنصيص عليه من الصحابة ، فيلحق به ما لم يقع بينهم « 3 » نصّ عليه .
فإن قيل : فقد قال :
أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً
، فشرك بينهما ب « أو » ، فصار تقدير الكلام : فجزاء مثل ما قتل من النّعم ، أو من الطعام ، أو من الصيام ، وتقدير المثلية في الطعام والصيام بالمعنى ، وكذلك في المثل الأول .
قلنا : هذا جهل أو تجاهل ؛ فإن قوله تعالى :
فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
ظاهر كما قدمنا في مثل الخلقة ، وما عداه يمتنع فيه مثلية الخلقة حسّا ؛ فرجع إلى مثلية المعنى حكما « 4 » ، وليس إذا عدم المعنى المطلوب في موضع ويرجع إلى بدله يلزم أن يرجع إلى بدله مع وجوده .
( تكملة ) ومن يعجب فعجب من قراءة المكي والمدني والبصري والشامي : فجزاء مثل - بالإضافة ؛ وهذا يقتضى الغيرية بين المضاف والمضاف إليه ، وأن يكون الجزاء لمثل المقتول « 5 » لا المقتول ، ومن قراءة الكوفيين : فجزاء مثل - على الوصف « 6 » ، وذلك يقتضى أن يكون الجزاء هو المثل .
ويقول أهل الكوفة من الفقهاء : إنّ الجزاء غير المثل . ويقول المدنيون والمكيون والشاميون من الفقهاء : إن الجزاء هو المثل ؛ فيبنى كلّ واحد منهم مذهبه على خلاف مقتضى ظاهر قراءة قراء بلده .
وقد قال لنا القاضي أبو الحسن القرافي الزاهد : إنّ ابن معقل الكاتب أخبره عن أبي على النحوي أنه قال : إنما يجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول . والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء المقتول . قال : ومن أضاف الجزاء إلى المثل فإنه يخرج على تقدير إقحام المثل ؛ وذلك كقولهم : أنا أكرم مثلك ؛ أي أكرمك .
هامش
( 1 ) هذا قول أبي حنيفة كما في القرطبي ( 6 - 310 ) .
( 2 ) في القرطبي : والنظر .
( 3 ) في ل : منهم .
( 4 ) في ل : حقا .
( 5 ) في ا : القتل .
( 6 ) في الكشاف : وقرئ :
فجزاء مثل ما قتل بنصبهما ، بمعنى فليجز جزاء مثل ما قتل ( 1 - 274 ) ، وعبارته أوضح .