تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
بها ، ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ، وذلك أنه كان يعتق ضعفة العبيد الذين أسلموا وكان ينفق في رضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ماله ، وكان الكفار بضد ذلك ، وهذا قول من قال السورة كلها مكية ، قال عبد اللّه بن أبي أوفى : نزلت هذه السورة في أبي بكر الصديق وأبي سفيان بن حرب ، وقال مقاتل : مر أبو بكر على أبي سفيان وهو يعذب بلالا فاشتراه منه ، وقال السدي : نزلت هذه الآية بسبب أبي الدحداح الأنصاري ، وذلك أن نخلة لبعض المنافقين كانت مطلة على دار امرأة من المسلمين لها أيتام فكانت التمر تسقط عليهم فيأكلونه فمنعهم المنافق من ذلك ، واشتد عليهم ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بعنيها بنخلة في الجنة » ، فقال : لا أفعل ، فبلغ ذلك أبا الدحداح فذهب إليه واشترى منه النخلة بحائط له ، وجاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه : أنا أشتري النخلة في الجنة بهذه ، ففعل ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمر على الحائط الذي أعطى أبو الدحداح وقد تعلقت أقناؤه فيقول : « وكم قنو معلق لأبي الدحداح في الجنة » ، وفي البخاري أن هذا اللفظ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقوله في الأقناء التي كان أبو الدحداح يعلقها في المسجد صدقة ، وهذا كله قول من يقول بعض السورة مدني . واختلف الناس في « الحسنى » ما هي في هذه السورة ، فقال أبو عبد الرحمن السلمي وغيره : هي لا إله إلا اللّه ، وقال ابن عباس وعكرمة وجماعة : هي الخلف الذي وعد اللّه تعالى به ، وذلك نص في حديث الملكين إذ يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا . وقال مجاهد والحسن وجماعة : « الحسنى » : الجنة . وقال كثير من المفسرين « الحسنى » : الأجر والثواب مجملا . وقوله تعالى :
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى
، ومعناه : سيظهر تيسيرنا إياه يتدرج فيه من أعمال الخير وختم بتيسير قد كان في علم اللّه أولا ، و « اليسرى » : الحال الحسنة المرضية في الدنيا والآخرة ، و « العسرى » : الحال السيئة في الدنيا والآخرة ولا بد ومن جعل بخل في المال خاصة جعل استغنى في المال أيضا لتعظم المذمة ، ومن جعل البخل عاما في جميع ما ينبغي أن يبذل من قول وفعل قال استغنى عن اللّه ورحمته بزعمه ، ثم وقف تعالى على موضع غناء ماله عنه وقت ترديه ، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما ماله عنه وقت ترديه ، وهذا يدل على أن الإعطاء والبخل المذكورين إنما هما في المال ، واختلف الناس في معنى
تَرَدَّى
: فقال قتادة وأبو صالح معناه
تَرَدَّى
في جهنم ، أي سقط من حافاتها ، وقال مجاهد :
تَرَدَّى
معناه هلك من الردى ، وقال قوم معناه
تَرَدَّى
بأكفانه من الرداء ، ومنه قول مالك بن الربيب : [ الطويل ]
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي * وردّا على عينيّ فضل ردائيا
ومنه قول الآخر : [ الطويل ]
نصيبك مما تجمع الدهر كله * رداءان تلوى فيهما وحنوط
ثم أخبر تعالى أن عليه هدى الناس جميعا ، أي تعريفهم بالسبل كلها ومنحهم الإدراك ، كما قال تعالى :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
[ النحل : 9 ] ثم كل أحد بعد يتكسب ما قدر له ، وليست هذه الهداية بالإرشاد إلى الإيمان ، ولو كان كذلك لم يوجد كافر . ثم أخبر تعالى أن « الآخرة والأولى » أي الدارين .