تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
أمره تعالى بالتذكير ، واختلف الناس في معنى قوله تعالى :
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
فقال الفراء والزهراوي معناه : وإن لم تنفع ، فاقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني ، وقال بعض الحذاق : إنما قوله
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
، اعتراض بين الكلامين على جهة التوبيخ لقريش ، أي
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
، في هؤلاء الطغاة العتاة ، وهذا نحو قول الشاعر : [ الوافر ]
لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي
وهذا كله كما تقول لرجل قل لفلان وأعد له إن سمعك ، إنما هو توبيخ للمشار إليه ، ثم أخبر تعالى أنه
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى
اللّه والدار الآخرة ، وهم العلماء والمؤمنون كل بقدر ما وفق ، ويتجنب الذكرى ونفعها من سبقت له الشقاوة ، فكفر ووجب له صلي النار ، وقال الحسن :
النَّارَ الْكُبْرى
نار الآخرة ، والصغرى نار الدنيا ، وقال بعض المفسرين : إن نار جميع الآخرة وإن كانت شديدة فهي تتفاضل ، ففيها شيء أكبر من شيء ، وقال الفراء :
الْكُبْرى
هي السفلى من أطباق النار ، وقوله تعالى :
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى
معناه :
لا يَمُوتُ فِيها
موتا مريحا ،
وَلا يَحْيى
حياة هنية فهو لا محالة حي ، وقد ورد في خبر : إن العصاة في النار موتى . قال القاضي أبو محمد : وأراه على التشبيه لأنه كالسبات والركود والهمول فجعله موتا . قوله عزّ وجل :

[ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 14 إلى 19 ]

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 ) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 ) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ( 19 )
أَفْلَحَ
في هذه الآية معناه : فاز ببغيته ، و
تَزَكَّى
معناه : طهر نفسه ونماها إلى الخير . قال ابن عباس : قال لا إله إلا اللّه فتطهر من الشرك ، وقال الحسن : من كان عمله زاكيا ، وقال أبو الأحوص : من رضخ من ماله وزكاه ، وقوله
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
معناه : وحّده وصلى له الصلوات التي فرضت عليه ، وتنفل أيضا بما أمكنه من صلاة وبرّ ، وقال أبو سعيد الخدري وابن عمر وابن المسيب : هذه الآية في صبيحة يوم الفطر فتزكى ، أدى زكاة الفطر ،
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
، هو ذكر اللّه في طريق المصلى إلى أن يخرج الإمام ، والصلاة هي صلاة العيد ، وقد روي هذا التفسير عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال قتادة وكثير من المتأولين :
تَزَكَّى
: أدى زكاة ماله ، و « صلى » معناه صلى الخمس ، ثم أخبر تعالى الناس أنهم يؤثرون
الْحَياةَ الدُّنْيا
، فالكافر يؤثرها إيثار كفر يرى أن لا آخرة ، والمؤمن يؤثرها إيثار معصية وغلبة نفس إلا من عصم اللّه ، وقرأ أبو عمرو وحده « يؤثرون » بالياء ، وقال : يعني الأشقين ، وهي قراءة ابن مسعود والحسن وأبي رجاء والجحدري ، وقرأ الباقون والناس : « تؤثرون » بالتاء على المخاطبة ، وفي حرف أبي بن كعب « بل أنتم تؤثرون » ، وسبب الإيثار حب العاجل والجهل ببقاء الآخرة ، وقال عمر : ما في الدنيا في الآخرة إلا كنفخة أرنب . وقوله تعالى :
إِنَّ هذا
قال الضحاك : أراد القرآن ، وروي أن القرآن انتسخ من
الصُّحُفِ
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 470 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى