مستوفيان جميع الأشياء ، وقال الطبري معناه :
يُبْدِئُ
العذاب ، ويعيده على الكفار ، و
الْغَفُورُ الْوَدُودُ
صفتا فعل ، الأولى ستر على عباده ، والثانية لطف بهم وإحسان إليهم ، وخصص « العرش » بإضافة نفسه إليه تشريفا ، وتنبيها على أنه أعظم المخلوقات ، وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم والحسن وابن وثاب والأعمش وعمرو بن عبيد : « المجيد » بخفض الدال صفة للعرش ، وهذا على أن المجد والتمجيد قد يوصف به كثير من الجمادات ، وقد قالوا مجدت الدابة إذا سمنت ، وأمجدتها إذا أحسنت علفها ، وقالوا :
في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار : كثرت نارهما ، وقرأ الباقون والجمهور : « ذو العرش » ، وروى ابن عباس : « ذي العرش » ، نعتا لقوله
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ
.
قوله عزّ وجل :
[ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 17 إلى 22 ]
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ( 19 ) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 )
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 )
هذا توقيف للنبي صلى اللّه عليه وسلم وتقرير بمعنى : لجعل هؤلاء الكفرة الذين يخالفونك وراء ظهرك ولا تهتم بهم ، فقد انتقم اللّه من أولئك الأقوياء الشداد ، فكيف هؤلاء و « الجنود » الجموع المعدة للقتال ، والجري نحو غرض واحد ، وناب
فِرْعَوْنَ
في الذكر مناب قومه وآله ، إذ كان رأسهم ، و
فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ
في موضع حفض على البدل من
الْجُنُودِ
، ثم ترك القول بحاله ، وأضرب عنه إلى الإخبار بأن هؤلاء الكفار بمحمد عليه السلام وشرعه ، لا حجة لهم عليه ولا برهان بل هو تكذيب مجرد سببه الحسد ، ثم توعدهم بقوله :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
، أي وعذاب اللّه ونقمته ، وقوله :
مِنْ وَرائِهِمْ
، معناه : ما يأتي بعد كفرهم وعصيانهم ، ثم أعرض عن تكذيبهم مبطلا له وردا عليه ، أنه :
قُرْآنٌ مَجِيدٌ
أي مذمة فيه ، وهذا مما تقدم من وصف اللّه تعالى بالمجد والتمجد ، وقرأ ابن السميفع اليماني « قرآن مجيد » على الإضافة ، وأن يكون اللّه تعالى ، هو المجيد ، و « اللوح » : هو اللوح المحفوظ الذي فيه جميع الأشياء ، وقرأ خفض القراء : « في لوح محفوظ » بالخفض صفة ل
لَوْحٍ
المشهور بهذه الصفة ، وقرأ نافع وحده بخلاف عنه وابن محيصن والأعرج : « محفوظ » بالرفع صفة القرآن على نحو قوله تعالى :
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] ، أي هو محفوظ في القلوب ، لا يدركه الخطأ والتعديل ، وقال أنس : إن اللوح المحفوظ هو في جبهة إسرافيل ، وقيل : هو من درة بيضاء قاله ابن عباس ، وهذا كله مما قصرت به الأسانيد ، وقرأ ابن السميفع : « في لوح » بضم اللام .
نجز تفسير سورة
الْبُرُوجِ
والحمد للّه رب العالمين .