تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
وذهب قوم إلى أن
الْأَبْرارَ
و « المقربين » في هذه الآية لمعنى واحد ، يقال : لكل من نعم في الجنة ، وذهب الجمهور من المتأولين إلى أن منزلة الأبرار دون المقربين ، وأن
الْأَبْرارَ
: هم أصحاب اليمين وأن المقربين هم السابقون ، و
عَيْناً
منصوب إما على المدح ، وإما أن يعمل فيه
تَسْنِيمٍ
على رأي من رآه مصدرا ، أو ينتصب على الحال من
تَسْنِيمٍ
أو
يُسْقَوْنَ
، قاله الأخفش وفيه بعد ، وقوله تعالى :
يَشْرَبُ بِهَا
معناه : يشربها كقول الشاعر [ أبو ذؤيب الهذلي ] : [ الطويل ]
شربن بماء البحر ثم تصعدت * متى لجج خضر لهن نئيج
ثم ذكر تعالى أن الأمر الذي
أَجْرَمُوا
بالكفر أي كسبوه كانوا في دنياهم
يَضْحَكُونَ
من المؤمنين ويستخفون بهم ويتخذونهم هزؤا ، وروي أن هذه الآية نزلت في صناديد قريش وضعفة المؤمنين ، وروي أنها نزلت بسبب أن علي بن أبي طالب وجمعا معه مروا بجمع من كفار مكة ، فضحكوا منهم واستخفوا بهم عبثا ونقصان عقل ، فنزلت الآية في ذلك . قوله عزّ وجل :

[ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 30 إلى 36 ]

وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ( 31 ) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ( 32 ) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ ( 33 ) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 ) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 ) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) الضمير في
مَرُّوا
للمؤمنين ، ويحتمل أن يكون للكفار ، وأما الضمير في
يَتَغامَزُونَ
فهو للكفار لا يحتمل غير ذلك ، وكذلك في قوله : انقلبوا فاكهين معناه : أصحاب فاكهة ومزج ونشاط وسرور باستخفافهم بالمؤمنين يقال : رجل فاكه كلابن وتأمر هكذا بألف ، وهي قراءة الجمهور ، ويقال : رجل فكه من هذا المعنى . وقرأ عاصم في رواية حفص : « فكهين » بغير ألف ، وهي قراءة أبي جعفر وأبي رجاء والحسن وعكرمة ، وأما الضمير في : « رأوا » وفي
قالُوا
: قال الطبري وغيره : هو للكفار ، والمعنى أنهم يرمون المؤمنين بالضلال ، والكفار لم يرسلوا على المؤمنين حفظة لهم ، وقال بعض علماء التأويل : بل المعنى بالعكس ، وإن معنى الآية : وإذا رأى المؤمنون الكفار قالوا إنهم لضالون وهو الحق فيهم ، ولكن ذلك يثير الكلام بينهم ، فكأن في الآية حضا على الموادعة ، أي أن المؤمنين لم يرسلوا حافظين على الكفار ، وهذا كله منسوخ على هذا التأويل بآية السيف ، ولما كانت الآيات المتقدمة قد نطقت بيوم القيامة ، وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول :
فَالْيَوْمَ
على حكاية ما يقال يومئذ وما يكون ، و
الَّذِينَ
رفع بالابتداء ، وقوله تعالى :
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ
معناه : إلى عذابهم في النار ، قال كعب : لأهل الجنة كوى ينظرون منها ، وقال غيره بينهم جسم عظيم شفاف يرون معه حالهم ، و
هَلْ
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 454 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى