و « التولي » : هنا الإعراض ، و
أَنْ
: مفعول من أجله ، وقرأ الحسن
أَنْ جاءَهُ
بمدة تقرير وتوقيف والوقف مع هذه القراءة على
تَوَلَّى
وهي قراءة عيسى . وذكر اللّه تعالى ابن مكتوم بصفة العمى ليظهر المعنى الذي شأن البشر احتقاره ، وبين أمره بذكر ضده من غنى ذلك الكافر ، وفي ذلك دليل على أن ذكر هذه العاهات متى كانت المنفعة أو لأن شهرتها تعرف السامع صاحبها دون لبس جائز ، ومنه قول المحدثين سلمان الأعمش وعبد الرحمن الأعرج وسالم الأفطس ونحو هذا .
ومتى ذكرت هذه الأشياء على جهة التنقيص فتلك الغيبة ، وقد سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عائشة تذكر امرأة ، فقالت : إنها القصيرة . فقال لها : لقد قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته ثم خاطب تعالى نبيه فقال :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى
أي وما يطلعك على أمره وعقبى حاله ، ثم ابتدأ القول :
لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
أي تنمو بركته وتطهره للّه وينفعه إيمانه ، وأصل
يَزَّكَّى
: يتزكى ، فأدغم التاء في الزاي وكذلك
يَذَّكَّرُ
، وقرأ الأعرج . « يذكر » بسكون الذال وضم الكاف ، ورويت عن عاصم ، وقرأ جمهور السبعة : « فتنفعه » بضم العين على العطف ، وقرأ عاصم وحده والأعرج : « فتنفعه » بالنصب في جواب التمني ، لأن قوله
أَوْ يَذَّكَّرُ
في حكم قوله :
لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
، ثم أكد تعالى عتب نبيه عليه السلام بقوله :
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى
أي بماله ، و :
تَصَدَّى
معناه : تتعرض بنفسك ، وقرأ ابن كثير ونافع : « تصدى » بشد الصاد على إدغام التاء ، وقرأ الباقون والأعرج والحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى والأعمش : « تصدى » ، بتخفيف الصاد على حذف التاء وقرأ أبو جعفر بن القعقاع : « تصدى » ، بضم التاء وتخفيف الصاد على بناء الفعل للمجهول ، أي تصديك حرصك على هؤلاء الكفار أن يسلموا ، تقول : تصدى الرجل وصديته ، كما تقول : تكسب وكسبته ، ثم قال تعالى محتقرا لشأن الكفار :
وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى
وما يضرك ألا يفلح ، فهذا حض على الإعراض عن أمرهم ، وترك الاكتراث بهم ، ثم قال مبالغا في العتب :
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى
أي يمشي ، وقيل المعنى :
يَسْعى
في شؤونه وأمر دينه وتقربه منك ،
وَهُوَ يَخْشى
اللّه تعالى ،
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
، أي تشتغل ، تقول لهيت عن الشيء ألهى إذا اشتغلت وليس من اللهو الذي هو من ذوات الواو ، وإما أن المعنى يتداخل ، وقرأ الجمهور من القراء : « تلهى » بفتح التاء على حذف التاء الواحدة ، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه ، « تلهى » بالإدغام ، وقرأ طلحة بن مصرف : « تتلهى » بتاءين ، وروي عنه « تلهى » بفتح التاء وسكون اللام وتخفيف الهاء المفتوحة ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع : « تلهى » بضم التاء وسكون اللام أي يلهيك حرصك على أولئك الكفار ، وفي حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وما استأثر اللّه به فاله عنه » ، وقوله تعالى في هاتين :
وَأَمَّا مَنْ
فالسبب ما ذكر من كفار قريش وعبد اللّه بن أم مكتوم ، ثم هي بعد تتناول من شركهم في هذه الأوصاف ، فحمله الشرع والعلم مخاطبون في تقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه على الشريف العاري من الخير ، بمثل ما خوطب به النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه السورة ، ثم قال :
كَلَّا
يا محمد أي ليس الأمر في حقه كما فعلت إن هذه السورة والقراءة التي كنت فيها مع ذلك الكافر
تَذْكِرَةٌ
لجميع العالم لا يؤثر فيها أحد دون أحد ، وقيل المعنى أن هذه المعتبة تذكرة لك يا محمد ففي هذا التأويل إجلال لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وتأنيس له ، وقوله تعالى :
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
يتضمن وعدا ووعيدا على نحو قوله تعالى :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ