تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
تعالى أنه
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
من المؤمنين لما ورد بذلك لعلمهم بالقدرة ووقوف عقولهم على كنه سلطان اللّه تعالى ، فهم موقنون متصورون صحة ما أخبرت به الأنبياء وكتب اللّه تعالى ، ثم قال :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
إعلاما بأن الأمر فوق ما يتوهم وأن الخبر إنما هو عن بعض القدرة لا عن كلها ، والسماء كلها عامرة بأنواع من الملائكة كلهم في عبادة متصلة وخشوع دائم وطاعة لا فترة في شيء من ذلك ولا دقيقة واحدة . وقوله تعالى :
وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ
قال مجاهد الضمير في قوله
وَما هِيَ
للنار المذكورة ، أي يذكرها البشر فيخافونها فيطيعون اللّه تعالى . وقال بعض الحذاق . قوله تعالى :
ما هِيَ
يراد بها الحال والمخاطبة والنذارة ، قال الثعلبي : وقيل
وَما هِيَ
، يراد نار الدنيا ، أي إن هذه تذكرة للبشر بنار الآخرة ، وقوله عزّ وجل :
كَلَّا
رد على الكافرين وأنواع الطاغين على الحق ، ثم أقسم ب
الْقَمَرِ
، تخصيص تشريف وتنبيه على النظر في عجائبه وقدرة اللّه تعالى في حركاته المختلفة التي هي مع كثرتها واختلافها على نظام واحد لا يختل ، وكذلك هو القسم ب
اللَّيْلِ
وب
الصُّبْحِ
، فيعود التعظيم في آخر الفكرة وتحصيل المعرفة إلى اللّه تعالى مالك الكل وقوام الوجود ونور السماء والأرض ، لا إله إلا هو العزيز القهار . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر عن عاصم : « إذ أدبر » بفتح الدال والباء ، وهي قراءة ابن عباس وابن المسيب وابن الزبير ومجاهد وعطاء ويحيى بن يعمر وأبي جعفر وشيبة وأبي الزناد وقتادة وعمر بن عبد العزيز والحسن وطلحة . وقرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم ، « إذا أدبر » بسكون الدال وبفعل رباعي ، وهي قراءة سعيد بن جبير وأبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنهم والأعرج وأبي شيخ وابن محيصن وابن سيرين ، قال يونس بن حبيب : « دبر » معناه انقضى و « أدبر » معناه تولى . وفي مصحف ابن مسعود وأبيّ بن كعب « إذ أدبر » بفتح الدال وألف وبفعل رباعي وهي قراءة الحسن وأبي رزين وأبي رجاء ويحيى بن يعمر . وسأل مجاهد ابن عباس عن دبر الليل فتركه حتى إذا سمع المنادي الأول للصبح قال له : يا مجاهد ، هذا حين دبر الليل ، وقال قتادة : دبر الليل ولى . قال الشاعر [ الأصمعي ] : [ الكامل ]
وأبي الذي ترك الملوك وجمعهم * بهضاب هامدة كأمس الدابر
والعرب تقول في كلامها كأمس المدبر ، قال أبو علي الفارسي : فالقراءتان جميعا حسنتان و « أسفر الصبح » أضاء وانتشر ضوؤه قبل طلوع الشمس بكثير والإسفار رتب أول ووسط وآخر ، ومن هذه اللفظة السّفر ، والسفر بفتح السين ، والسفير وسفرت المرأة عن وجهها كلها ترجع إلى معنى الظهور والانجلاء ، وقرأ عيسى بن الفضيل وابن السميفع : « إذا أسفر » ، فكأن المعنى طرح الظلمة عن وجهه وضعفها أبو حاتم ، وقوله تعالى :
إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ
قال قتادة وأبو رزين وغيره : الضمير لجهنم ، ويحتمل أن يكون الضمير للنذارة ، وأمر الآخرة فهو للحال والقصة ، وتكون هذه الآية مثل قوله عزّ وجل
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
[ ص : 68 ] ، و « الكبر » ، جمع كبيرة ، وقرأ جمهور القراء « لإحدى » بهمزة في ألف إحدى ، وروي عن ابن كثير أنه قرأ « لاحدى » دون همزة ، وهي قراءة نصر بن عاصم ، قال أبو علي : التخفيف في
لَإِحْدَى الْكُبَرِ
، أن تجعل الهمزة فيها بين بين ، فأما حذف الهمزة فليس بقياس وقد جاء حذفها . قال أبو الأسود الدؤلي : [ الكامل ]
يا أبا المغيرة رب أمر معضل * فرجته بالنكر مني والدّهاء