تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
قوله تعالى :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ
وعيد لهم ، ولم يتعرض أحد لمنعه منهم ، لكنه إبلاغ بمعنى لا تشغل بهم فكرا ، وكلهم إليّ . و
النَّعْمَةِ
غضارة العيش وكثرة المال . والمشار إليهم كفار قريش أصحاب القليب ببدر . ويروى أنه لم يكن بين نزول الآية وبين بدر إلا مدة يسيرة نحو عام وليس الأمر كذلك ، والتقدير الذي يعضده الدليل من إخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقتضي أن بين الأمرين نحو العشرة الأعوام ، ولكن ذلك قليل أمهلوه ، و
لَدَيْنا
بمنزلة عندنا ، و « الأنكال » جمع نكل ، وهو القيد من الحديد ، ويروى أنها قيود سود من نار ، و « الطعام ذو الغصة » ، شجرة الزقوم قاله مجاهد وغيره ، وقيل شوك من نار وتعترض في حلوقهم لا تخرج ولا تنزل قاله ابن عباس ، وكل مطعوم هنالك فهو ذو غصة ، وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق ، والعامل في قوله
يَوْمَ تَرْجُفُ
، الفعل الذي تضمنه قوله
إِنَّ لَدَيْنا
، وهو استقرار أو ثبوت ، والرجفان : الاهتزاز والاضطراب من فزع وهول ، و « المهيل » اللين الرخو الذي يذهب بالريح ويجيء مهيلة . والأصل مهيول استثقلت الضمة على الياء فسكنت واجتمع ساكنان فحذفت الواو وكسرت الهاء بسبب الياء . وقوله تعالى :
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ
الآية خطاب للعالم ، لكن المواجهون قريش ، وقوله
شاهِداً عَلَيْكُمْ
نحو قوله
وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] ، وتمثيله لهم أمرهم بفرعون وعيد كأنه يقول : فحالهم من العذاب والعقاب إن كفروا سائرة إلى مثل حال فرعون ، وقوله تعالى :
فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
يريد موسى عليه السلام ، والألف واللام للعهد . والوبيل : الشديد الرديء العقبى ، ويقال : كلأ وبيل ومستوبل إذا كان ضارا لما يرعاه . وقوله تعالى :
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ
معناه تجعلون لأنفسكم ، و
يَوْماً
مفعول ب
تَتَّقُونَ
، وقيل هو مفعول ب
كَفَرْتُمْ
على أن يجعله بمنزلة جحدتم ، ف
تَتَّقُونَ
على هذا من التقوى ، أي
تَتَّقُونَ
عقاب اللّه
يَوْماً
، و
يَجْعَلُ
يصح أن يكون مسندا إلى اسم اللّه تعالى ، ويصح أن يكون مسندا إلى اليوم . وقوله تعالى :
الْوِلْدانَ شِيباً
يريد صغار الأطفال ، وقال قوم هذه حقيقة تشيب رؤوسهم من شدة الهول كما قد ترى الشيب في الدنيا من الهم المفرط كهول البحر ونحوه . وقال آخرون من المتأولين : هو تجوز وإبلاغ في وصف هول ذلك اليوم . وواحد « الولدان » وليد ، وواحد الشيب أشيب . وقوله تعالى :
السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ
قيل هذا على النسب أي ذات انفطار كامرأة حائض وطالق ، وقيل السماء تذكر وتؤنث ، وينشد في التذكير : [ الوافر ]
فلو رفع السماء إليه قوما * لحقنا بالسماء مع السحاب
وقيل من حيث لم يكن تأنيثها حقيقيا ، جاز أن تسقط علامة التأنيث لها ، وقيل لم يرد اللفظ قصد السماء بعينها وإنما أراد ما علا من مخلوقات اللّه كأنه قصد السقف فذكر على هذا المعنى ، قاله منذر بن