وللعرب في اجتماعهم على رد أمره ، ولا يتجه أن يكون العبد نوحا إلا على تحامل في تأويل نسق الآية ، وقال ابن جبير : معنى الآية ، إنما قول الجن لقومهم يحكون ، والعبد محمد صلى اللّه عليه وسلم .
والضمير في
كادُوا
لأصحابه الذين يطوعون له ويقتدون به في الصلاة ، فهم عليه لبد . واللبد الجماعات شبهت بالشيء المتلبد بعضه فوق بعض ، ومنه قول عبد بن مناف بن ربع : [ البسيط ]
صافوا بستة أبيات وأربعة * حتى كأن عليهم جانيا لبدا
يريد الجراد سماه جانيا لأنه يجني كل شيء ، ويروى جابيا بالباء لأنه يجبي الأشياء بأكله ، وقرأ جمهور السبعة وابن عباس : « لبدا » بكسر اللام جمع لبدة ، وقال ابن عباس : أعوانا . وقرأ ابن عامر بخلاف عنه وابن مجاهد وابن محيصن : « لبدا » بضم اللام وتخفيف الباء المفتوحة وهو جمع أيضا . وروي عن الجحدري : « لبدا » بضم اللام والباء . وقرأ أبو رجاء : « لبدا » بكسر اللام ، وهو جمع لا بد فإن قدرنا الضمير للجن فتقصفهم عليه لاستماع الذكر ، وهذا تأويل الحسن وقتادة و
أَدْعُوا
معناه أعبده ، وقرأ جمهور السبعة وعلي بن أبي طالب : « قال إنما » ، وهذه قراءة تؤيد أن العبد نوح ، وقرأ عاصم وحمزة بخلاف عنه :
« قال إنما » وهذه تؤيد بأنه محمد عليه السلام وإن كان الاحتمال باقيا من كليهما . واختلف القراء في فتح الياء من
رَبِّي
وفي سكونها . ثم أمر تعالى محمدا نبيه عليه السلام بالتبري من القدرة وأنه لا يملك لأحد
ضَرًّا وَلا رَشَداً
، بل الأمر كله للّه . وقرأ الأعرج « رشدا » بضم الراء والشين ، وقرأ أبيّ بن كعب « لكم غيا ولا رشدا » . وقولهم
مِنْ دُونِهِ
أي من عند سواه . و « الملتحد » : الملجأ الذي يمال إليه ويركن ، ومنه الإلحاد الميل ، ومنه اللحد الذي يمال به إلى أحد شقي القبر .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 23 إلى 28 ]
إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ( 24 ) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ( 25 ) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 27 )
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ( 28 )
اختلف الناس في تأويل قوله
إِلَّا بَلاغاً
: فقال الحسن ما معناه أنه استثناء منقطع ، والمعنى لن يجيرني من اللّه أحد
إِلَّا بَلاغاً
، فإني إن بلغت رحمني بذلك ، والإجارة : للبلاغ مستعارة إذ هو سبب إجارة اللّه تعالى ورحمته ، وقال بعض النحاة على هذا المعنى هو استثناء متصل . والمعنى لن أجد ملتحدا
إِلَّا بَلاغاً
، أي شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع ، فيجبرني اللّه . وقال قتادة : التقدير لا أملك
إِلَّا بَلاغاً
إليكم ، فأما الإيمان أو الكفر فلا أملكه . وقال بعض المتأولين
إِلَّا
بتقدير الانفصال ، و « إن »