وقول الجن :
إِنَّا سَمِعْنا
الآيات ، هو خطاب منهم لقومهم الذين ولوا إليهم منذرين ، و
قُرْآناً عَجَباً
معناه ذا عجب ، لأن العجب مصدر يقع من سامع القرآن لبراعته وفصاحته ومضمناته ، وليس نفس القرآن هو العجب . وقرأ جمهور الناس « إلى الرّشد » بضم الراء وسكون الشين . وقرأ عيسى الثقفي « إلى الرّشد » بفتح الراء والشين . وقرأ عيسى « إلى الرّشد » ومن كسر الألف من قوله « وإنه تعالى » فعلى القطع ويعطف الجملة على قوله
إِنَّا سَمِعْنا
، ومن فتح الألف من قوله
وَأَنَّهُ تَعالى
اختلفوا في تأويل ذلك ، فقال بعضهم هي عطف على
أَنَّهُ اسْتَمَعَ
، فيجيء على هذا قوله
تَعالى
مما أمر أن يقول إنه أوحي إليه وليس يكون من كلام الجن ، وفي هذا قلق . وقال بعضهم بل هي عطف على الضمير في
بِهِ
فكأنه يقول فآمنا به وبأنه تعالى . وهذا القول ليس في المعنى ، لكن فيه من جهة النحو العطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض وذلك لا يحسن . وقرأ جمهور الناس « جدّ ربنا » بفتح الجيم وضم الدال وإضافته إلى الرب ، وقال جمهور المفسرين معناه عظمته .
وروي عن أنس أنه قال : كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران ، جد في أعيننا أي عظم . وقال أنس بن مالك والحسن :
جَدُّ رَبِّنا
معناه ، فهذا هو من الجد الذي قال فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم :
« ولا ينفع ذا الجد منك الجد » ، وقال مجاهد : ذكره كله متجه لأن الجد هو حظ المجدود من الخيرات والأوصاف الجميلة ، فجد اللّه تعالى هو الحظ الأكمل من السلطان الباهر والصفات العلية والعظمة ، ومن هذا قول اليهودي حين قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة : « يا بني قيلة هذا جدكم الذي تنتظرون » أي حظكم من الخيرات وبختكم . وقال علي بن الحسين رضي اللّه عنه وأبو جعفر الباقر وابنه جعفر والربيع بن أنس ليس للّه جد ، وهذه مقالة قوم جهلة من الجن ، جعلوا اللّه جدا أبا أب . قال كثير من المفسرين هذا قول ضعيف . وقوله :
وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً
يدفعه ، وكونهم فيما روي على شريعة متقدمة وفهمهم للقرآن . وقرأ محمد بن السميفع اليماني « جد ربنا » وهو من الجد والنفع . وقرأ عكرمة « جدّ ربّنا » بفتح الجيم وضم الدال وتنوينه ورفع الرب كأنه يقول تعالى عظيم هو ربنا ف « ربنا » بدل والجد العظيم في اللغة .
وقرأ حميد بن قيس « جد ربنا » بضم الجيم . ومعناه ربنا العظيم حكاه سيبويه وبإضافته إلى الرب فكأنه قال عظيم ، وهذه إضافة تجديد يوقع النحاة هذا الاسم إذا أضيفت الصفة إلى الموصوف ، كما تقول جاءني كريم زيد تريد زيدا الكريم ويجري مجرى هذا عند بعضهم .
قول المتنبي [ البسيط ] عظيم الملك في المقل أراد الملك العظيم قال بعض النحاة ، وهذا المثال يعترض بأنه أضاف إلى جنس فيه العظيم والحقير ، وقرأ عكرمة أيضا « جدا ربّنا » بفتح الجيم والدال وتنوينها ورفع الرب ونصب « جدا » على التمييز كما تقول تفقأت شحما وتصببت عرقا ، وقرأ قتادة « جدا ربّنا » بكسر الجيم ورفع الباء وشد الدال ، فنصب جدا على الحال ومعناه تعالى حقيقة ومتمكنا . وهذا معنى غير الأول ، وقرأ أبو الدرداء « تعالى ذكر ربنا » ، وروي عنه « تعالى جلال ربنا » . وقوله تعالى :
وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ
لا خلاف أن هذا من قول الجن ، وكسر