تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
عمرو :
يَغْفِرْ لَكُمْ
بالإدغام ، ولا يجيز ذلك الخليل وسيبويه ، لأن الراء حرف مكرر ، فإذا أدغم في اللام ذهب التكرير واختل المسموع . وقوله تعالى :
وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
مما تعلق المعتزلة به في قولهم : إن للإنسان أجلين ، وذلك أنهم قالوا : لو كان واحدا محدودا لما صح التأخير ، إن كان الحد قد بلغ ولا المعاجلة إن كان الحد لم يبلغ . قال القاضي أبو محمد : وليس لهم في الآية تعلق ، لأن المعنى أن نوحا عليه السلام ، لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل ؟ ولا قال لهم : إنكم تؤخرون عن أجل قد حان لكم ، لكن قد سبق في الأزل أنهم إما ممن قضى لهم بالإيمان والتأخير وإما ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة ، فكأن نوحا عليه السلام قال لهم : آمنوا يبين لكم أنكم ممن قضي لهم بالإيمان والتأخير ، وإن بقيتم فسيبين لكم أنكم ممن قضي عليه بالكفر والمعاجلة ثم تشدد هذا المعنى ولاح بقوله :
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ
. وقد حكى مكي القول بالأجلين ولم يقدره قدره ، وجواب
لَوْ
، مقدر يقتضيه اللفظ كأنه قال : فما كان أحزمكم أو أسرعكم إلى التوبة
لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
. قوله عزّ وجل :

[ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 5 إلى 11 ]

قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً ( 5 ) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً ( 6 ) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ( 7 ) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ( 8 ) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ( 9 ) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) هذه المقالة قالها نوح عليه السلام بعد أن طال عمره وتحقق اليأس عن قومه ، وقوله :
لَيْلًا وَنَهاراً
عبارة عن استمرار دعائه ، وأنه لم يتوان فيه قط ، ويروى عن قتادة أن نوحا عليه السلام كان يجيئه الرجل من قومه بابنه فيقول : احذر هذا الرجل فإن أبي حذرني إياه ، ويقول له إنه مجنون . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر : « دعائي إلا » بالهمز وفتح الياء ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي : « دعاي » بسكون الياء دون همز ، وروى شبل عن ابن كثير : بنصب الياء دون همز مثل هداي ، وقرأ عاصم أيضا وسلام ويعقوب : بهمز وياء ساكنة . وقوله :
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ
معناه : ليؤمنوا فيكون ذلك سبب الغفران . وقوله تعالى :
جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
يحتمل أن يكون حقيقة ، ويحتمل أن يكون عبارة عن إعراضهم ، وشدة رفضهم لأقواله ، وكذلك قوله :
اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ
معناه : جعلوها أغشية على رؤوسهم ، والإصرار الثبوت على معتقد ما ، وأكثر استعماله في الذنوب ، ثم كرر عليه السلام صفة دعائه لهم بيانا وتأكيدا وجهارا يريد علانية في المحافل ، والإسرار ما كان من دعاء الأفراد بينه وبينهم على انفراد ، وهذا غاية الجد . وقوله تعالى :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ
يُرْسِلِ السَّماءَ
يقتضي أن الاستغفار سبب لنزول المطر في كل أمة . وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه استسقى بالناس فلم يزد على أن استغفر ساعة ثم
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 373 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى