تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
هذه
أَمْ
التي تتضمن الإضراب عن الكلام الأول لا على جهة الرفض له ، لكن على جهة الترك والإقبال على سواه ، وهذا التوقيف لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد به توبيخ الكفار لأنه لو سألهم أجرا فأثقلهم غرم ذلك لكان لهم بعض العذر في إعراضهم وقرارهم ، وقوله تعالى :
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
معناه : هل لهم علم بما يكون فيدعون مع ذلك أن الأمر على اختيارهم جار ، ثم أمر تعالى نبيه بالصبر لحكمه ، وأن يمضي لما أمر به من التبليغ واحتمال الأذى والمشقة ، ونهى عن الضجر والعجلة التي وقع فيها يونس صلى اللّه عليه وسلم ، ثم اقتضبت القصة ، وذكر ما وقع في آخرها من ندائه من بطن الحوت
وَهُوَ مَكْظُومٌ
، أي غيظه في صدره . وحقيقة الكظم : هو الغيظ والحزن والندم فحمل المكظوم عليه تجوزا ، وهو في الحقيقة كاظم ، ونحو هذا قول ذي الرمة : [ البسيط ]
وأنت من حب مني مضمر حزنا * عاني الفؤاد قريح القلب مكظوم
وقال النقاش : المكظوم ، الذي أخذ بكظمه وهو مجاري القلب ، ومنه سميت الكاظمة وهي القناة في جوف الأرض . وقرأ جمهور الناس : « لولا أن تداركه » أسند الفعل دون علامة تأنيث ، لأن تأنيث النعمة غير حقيقي وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس : « تداركته » على إظهار العلامة ، وقرأ ابن هرمز والحسن : « تدّاركه » بشد الدال على معنى : تتداركه وهي حكاية حال تام ، فلذلك جاء الفعل مستقبلا بمعنى :
لَوْ لا أَنْ
، يقال فيه تتداركه نعمة من ربه ونحوه ، قوله تعالى :
فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ
فهذا وجه القراءة ، ثم أدغمت التاء في الدال ، والنعمة : هي الصفح والتوب ، والاجتباء : الذي سبق له عنده ، والعراء : الأرض الواسعة التي ليس فيها شيء يوارى من بناء ولا نبات ولا غيره من جبل ونحوه ، ومنه قول الشاعر [ أبو الخراش الهذلي ] : [ الكامل ]
رفعت رجلا لا أخاف عثارها * ونبذت بالأرض العراء ثيابي
وقد نبذ يونس عليه السلام
بِالْعَراءِ
ولكن غير مذموم ، و
فَاجْتَباهُ
معناه : اختاره واصطفاه . ثم أخبر تعالى نبيه بحال نظر الكفار إليهم ، وأنهم يكادون من الغيظ والعداوة ، يزلقونه فيذهبون قدمه من مكانها ويسقطونه . وقرأ جمهور القراء : « يزلقونك » بضم الياء من أزلق ، وقرأ نافع وحده : « يزلقونك » . بفتح الياء من زلقت الرجل ، يقال : زلق الرجل بكسر اللام وزلقته بفتحها مثل : حزن وحزنته وشترت العين بكسر التاء وشترتها ، وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود : « ليزهقونك » بالهاء ، وروى النخعي أن في قراءة ابن مسعود : « لينفدونك » ، وفي هذا المعنى الذي في نظرهم من الغيظ والعداوة قول الشاعر : [ الكامل ]
يتقارضون إذا التقوا في مجلس * نظرا يزيل مواطئ الأقدام
وذهب قوم من المفسرين إلى أن المعنى : يأخذونك بالعين ، وذكر أن الدفع بالعين كان في بني