تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
ومسمع ، وهو قادر لو شاء على أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك ، فمقصد اللفظ هذا المعنى وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصارا واقتصارا . وقال مجاهد في كتاب الثعلبي وغيره ، المعنى :
فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ
بالصبر لأذى الكفار ويربط عليه بالجلد ، فهذا تأويل لا يتضمن الرد على مقالتهم . وقوله تعالى :
وَيَمْحُ
فعل مستقبل خبر من اللّه أنه يمحو الباطل ولا بد إما في الدنيا وإما في الآخرة ، وهذا بحسب نازلة . وكتبت
يَمْحُ
في المصحف بحاء مرسلة كما كتبوا :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ
[ الإسراء : 11 ] إلى غير ذلك مما ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار . وقوله :
بِكَلِماتِهِ
معناه : بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء بالكلمات المعاني القائمة التي لا تبديل لها . وقوله تعالى :
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
خبر مضمنه وعيد . ثم ذكر النعمة في تفضله بقبول التوبة عن عباده ، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمنه وأعماله مقطوع به بهذه الآية ، وأما ما سلف من أعماله فينقسم : فأما التوبة من الكفر فماحية كل ما تقدمها من مظالم العباد الفانية ، وأما التوبة من المعاصي فلأهل السنة قولان ، هل تذهب المعاصي السالفة للعبد بينه وبين خالقه ؟ فقالت فرقة : هي مذهبة لها ، وقالت فرقة : هي في مشيئة اللّه تعالى ، وأجمعوا على أنها لا تذهب مظالم العباد . وحقيقة التوبة : الإقلاع عن المعاصي والإقبال والرجوع إلى الطاعات ، ويلزمها الندم على ما فات ، والعزم على ملازمة الخيرات . وقال سري السقطي : والتوبة : العزم على ترك الذنوب ، والإقبال بالقلب إلى علام الغيوب . وقال يحيى بن معاذ : التائب من كسر شبابه على رأسه وكسر الدنيا على رأس الشيطان ولزم الفطام حتى أتاه الحمام . وقوله تعالى :
عَنْ عِبادِهِ
بمعنى : من عباده ، وكأنه قال : التوبة الصادرة عن عباده . وقرأ جمهور القراء والأعرج وأبو جعفر والجحدري وقتادة : « يفعلون » بالياء على الكناية عن غائب . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وعلقمة : « تفعلون » بالتاء على المخاطبة ، وفي الآية توعد . وقوله تعالى :
وَيَسْتَجِيبُ
قال الزجاج وغيره معناه : يجيب ، والعرب تقول : أجاب واستجاب بمعنى ومنه قول الشاعر [ كعب بن سعد الغنوي ] : [ الطويل ]
وداع دعا يا من يجيب الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيب
و :
الَّذِينَ
على هذا القول مفعول ب
يَسْتَجِيبُ
، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ونحوه عن ابن عباس ، وقالت فرقة المعنى : ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة . ودل قوله :
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
على أن المعنى فيجيبهم ، وحملت هذه الفرقة استجاب على المعهود من باب استفعل ، أي طلب الشيء . و :
الَّذِينَ
على هذا القول فاعل ب
يَسْتَجِيبُ
. وقالت