تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
قوله تعالى :
أَ فَتُمارُونَهُ
خطاب لقريش ، وهو من الصراء والمعنى أتجادلونه في شيء رآه وأبصره ، وهذه قراءة الجمهور وأهل المدينة ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وحمزة والكسائي : « أفتمرونه » بفتح التاء دون ألف بعد الميم ، والمعنى : أفتجدونه ؟ وذلك أن قريشا لما أخبرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأمره في الإسراء مستقصى ، كذبوا واستخفوا حتى وصف لهم بيت المقدس وأمر عيرهم وغير ذلك مما هو في حديث الإسراء مستقصى ، ورواها سعيد عن النخعي : « أفتمرونه » بضم التاء ، قال أبو حاتم : وذلك غلط من سعيد . وقوله :
يَرى
مستقبلا والرؤية قد مضت عبارة تعم جميع ما مضى وتشير إلى ما يمكن أن يقع بعد ، وفي هذا نظر . واختلف الناس في الضمير في قوله :
وَلَقَدْ رَآهُ
حسبما قدمناه ، فقال ابن عباس وكعب الأحبار : هو عائد على اللّه ، وقال ابن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع : هو عائد على جبريل . و :
نَزْلَةً
معناه : مرة ، ونصبه على المصدر في موضع الحال . و :
سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
هي شجرة نبق ، قال كعب : هي في السماء السابعة ، وروى ذلك مالك بن صعصعة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال ابن مسعود : في السماء السادسة . وقيل لها :
سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
لأنها إليها ينتهي علم كل عالم ، ولا يعلم ما وراءها صعدا إلا اللّه تعالى . وقيل سميت بذلك لأنها إليها ينتهي من مات على سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم . قال القاضي أبو محمد : هم المؤمنون حقا من كل جيل . وقيل سميت بذلك ، لأن ما نزل من أمر اللّه فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة العلو ، وما صعد من الأرض فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة السفل . وروي عن النبي عليه السلام أن الأمة من الأمم تستظل بظل الفنن منها ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « رفعت لي
سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
، فإذا نبقها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة » . وقوله تعالى :
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى
قال الجمهور : أراد أن يعظم مكان السدرة ويشرفه بأن
جَنَّةُ الْمَأْوى
عندها . قال الحسن : وهي الجنة التي وعد بها العالم المؤمن . وقال قتادة وابن عباس بخلاف هي جنة يأوي إليها أرواح الشهداء والمؤمنين ، وليست بالجنة التي وعد بها المؤمنون جنة النعيم ، وهذا يحتاج إلى سند وما أراه يصح عن ابن عباس . وقرأ علي بن أبي طالب وابن الزبير بخلاف ، وأنس بن مالك بخلاف ، وأبو الدرداء وزر بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب : « جنه المأوى » بالهاء في جنة ، وهو ضمير محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والمعنى : ستره وضمه إيواء اللّه تعالى وجميل صنعه به ، يقال : جنه وأجنه ، وردت عائشة وصحابة معها هذه القراءة وقالوا : أجن اللّه من قرأها . والجمهور قرأ : « جنة » كالآية الأخرى :
فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا
[ السجدة : 19 ] وحكى الثعلبي أن معنى « جنة المأوى » : ضمه المبيت والليل . وقوله :
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
التعامل في :
إِذْ
،
رَآهُ
. المعنى : رآه في هذه الحال .